الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما رد قوم عاد على هود - عليه السلام -، ولكنه الاستدلال النبوي الذي يُخطؤه كثير من الناس في يومنا هذا، وهو خطأٌ جسيم يؤدي إلى تعطيل حكمة القرآن، وعبرة قصصه، والاقتداء بالمهتدين فيه.
أمّا زَعْم البعض أن المشركين زمن الأنبياء لم يكن لهم تأويل في شركهم كما يتلاعب به الزنادقة اليوم من المُشَرّعين المرتدين؛ ليصرفوا عن أنفسهم حكم القرآن في أمثالهم فهو جهل آخر بكتاب الله تعالى، فتأويلات المشركين قديمًا هي عينها تأويلات المرتدين اليوم، وقد جرى عليهم حكم الله بالإهلاك والعذاب، وجرت عليهم أحكام الله التي أمر الله بها أنبياءه فيهم، ومن تأمّل كتاب الله وجد هذا بيّنًا، ومن ذلك زعمهم أن أعمالهم الشركية ليست شركية في قياسهم كقوله تعالى عنهم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (1)﴾
فهذا تأويلٌ شيطاني يقع فيه المتعبدون لغير الله تعالى في نسكهم، ويقع فيه كل من اتخذ وليًا من دون الله يطيعه ويأتمر بأمره على غير أمر الله تعالى وبما أذن له، وهو قولهم كذلك في سورة يونس: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (2)﴾
ومن تأويلاتهم في القرآن زعمهم المُجْمل أنهم على دين الأنبياء السابقين المحكوم لهم بالصواب والحق كقول بني إسرائيل: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ? هَا أَنتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ? مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ? إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (3)﴾
ومن تأويلاتهم في رد دعوة الأنبياء هو وجود الخصومة المسبقة بينهم وبين الأنبياء، فقال لهم شعيب - عليه السلام -: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (4)﴾
(1) الزمر: 3
(2) يونس: 18
(3) آل عمران: 65 - 68
(4) يونس: 18