تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والإفناء، كما أن إلهية البشر للبشر وإن كان فيها بعض الأعمال النُسُكية كالسجود، لكن لن تكون هناك العبادات القلبية كالإخبات والإنابة، بل ولا يعتقد العابد أنه مراقب يسمع هذا الإله ولا يبصره، ولا قيامة له عليه، إنما أجلُّ صور التألُّه في هذه الحالة هي الطاعة والامتثال، وهو كفر إبليس ليس حين اتخذ إلهه هواه، فقدمه في الأمر والطاعة على أمر الله وطاعته. والقصد، أن أساس دعوة موسى - عليه السلام - كانت لواقع بني إسرائيل، وهو مطلبه من المصريين لقولهم لمَّا وقع عليهم الرجز: ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (1)﴾، وكما قال الله عن موسى وهارون في دعوتهما لفرعون: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ (2)﴾

فهكذا؛ من فهم دعوة الأنبياء، فلذلك لم تبطل العبرة لأي ممتَحَن في الله وهو يجابه الباطل حين يقرأ قصة نوح وإبراهيم - عليهما السلام - وغيرهما؛ لأن سيرة الأنبياء مع المشركين والمنحرفين والمستكبرين هي سيرة متجددة لكل أزمان البشر وعهودهم.

أمرٌ آخر يتعلق بالمنهج النبوي في الاستدلال بالقصة النبوية في القرآن، فقد قامت شواهد على هذه الطريقة أجلاها ما وقع في حادثة ذات أنواط كما رواها الصحابي الجليل أبي واقد الليثي فقال: ((خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حُنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سورة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسِدْرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الله أكبر، إنها السُنَن؛ قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (3)﴾ لتركبنَّ سُنَن من كان قبلكم)).

والمشابهة بين الأمرين على معنى قياس الأدنى على الأعلى، فما طلبه بنو إسرائيل هو الشرك الجلي، وأما ما طلبه الصحابة فهو سدرة يتبركون بها بوضع أسلحتهم عليها وهذا وسيلة إلى الشرك وليس هو، ومع ذلك فضرب مَثَل فعلهم بفعل بني إسرائيل وذلك استدلالًا بالأعلى على الأدنى، ومما يكشف المعنى أكثر للمتسائل هو قوله - صلى الله عليه وسلم - عن الخوارج كما في الصحيح: ((لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد))؛ فنبيُّ الله يحكم فيهم ما فعل الله بقوم عاد، وهم الذين أتت عليهم الريح فجعلتهم كالرميم، مع ما في الخوارج من خلاف بين أهل العلم في التكفير أو التضليل، ولم يقل الخوارج مع ضلالهم مقالة قوم عاد، ولا ردوا على ما جاء به

(1) الأعراف: 134

(2) طه: 47

(3) طه: 47

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٨٠