تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لوط وقومه على هذا التشريع، بل في قصة لوط - عليه السلام - في القرآن الكريم كله لم يذكر عنهم قط أنهم نازعوه في التوحيد الذي جاء به الأنبياء، بل لم يذكر الله عنهم إلا قبائح سلوكية هي اللواط وما سيأتي ذكره في هذه السورة: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ (1)﴾ فكان تشريعهم هذه القبائح هو ما جاء لوط - عليه السلام - لإزالته، وهذا بيّن في سورة الأعراف وهود والشعراء وهي السور التي فُصِّلَ فيها دعوة الأنبياء لقومهم، مع أنه ذُكِرَ في غير هذه المواطن كهذه السورة وغيرها كالصافات والحجر والأنبياء والنحل، وهذا النموذج النبوي العظيم كافٍ ليُعلَم أن أي انحراف يُجابِهُه الداعي والعالم والمجاهد يجب فيه الاعتبار بقصص الأنبياء كما جاء بها القرآن الكريم.

ثم هذا نبيُّ الله موسى - عليه السلام - وهو من أولي العزم من الرسل يأتي لمهمة تتعلق بواقع الأُمَّة السياسي ابتداءً، وهو ذلتهم تحت يد المصريين وفرعون؛ فجاء ليخرجهم من هذا الواقع الأليم، ولم يذكر الله تعالى في كتابه شركًا نُسُكيًا كان عليه بنو إسرائيل تحت حكم فرعون وطغيانه. بل إن فرعون وقومه كذلك لم يذكر القرآن الكريم عنهم قط أي شركٍ نُسُكي، ولمّا كان فرعون وملؤه ينازعون موسى - عليه السلام - كان نزاعهم ابتداءً يقوم على عدم رفع طغيانهم عن بني إسرائيل المستذلين تحتهم كما قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ? يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (2)﴾، وقال تعالى: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ? يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (3)﴾ وأمّا ما ذُكر عن عبادة المصريين وفرعون فمذكور في قوله تعالى عن ملئه: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ (4)﴾ وهي آية فيها قراءتان مشهورتان، فقوله: ﴿وَآلِهَتَكَ﴾ أي: ما تعبد من دون الله، أو القراءة الثانية: ﴿وَإِلَاَهَتُك﴾ وقد صرح فرعون أنه الإله الذي يجب أن يُعبد، ذكر ذلك القرآن مرتين، مرةً في سورة الشعراء كما قال الله تعالى عنه مخاطبًا موسى - عليه السلام -: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (5)﴾، وفي سورة القَصَصْ قال عنه مخاطبًا الملأ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (6)﴾

وقومه الذين يسمعون قوله هذا يعلمون أنه ليس له ربوبية في الخلق والإيجاد والإمداد

(1) العنكبوت: 29

(2) الأعراف: 109 - 110

(3) الشعراء: 34 - 35

(4) الأعراف: 127

(5) الشعراء: 29

(6) القَصَصْ: 38

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٧٩