النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (1)} وما وقع فيه قوم موسى وقعت فيه أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - في تاريخها وحاضرها، فكلما سلك الأنبياء من بني إسرائيل مع قومهم هو الواجب سلوكه اليوم من المهتدين مع أقوامه المشابهين للمغضوب عليهم.
أمّا الفهم المغلوط اليوم لحقيقة دعوة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يدعوا إلى نبذ الشرك ومظاهِرِه فقط بل كان فيها الدعوة إلى حقائق إيمانية من عبادات وتشريعات وأوامر ومواقف، ومن نظر إلى القرآن المكي رأى أوامر عديدة طولِبَت بها قريش مع التوحيد الذي أُمروا به.
فسورة الأنعام مكيَّة وفيها الأمر بالزكاة بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ (2)﴾، وفيها الأمر بترك أكل ما لم يُذكَر اسم الله عليه، وجعل رد هذا الأمر على وجه القياس الإبليسي كفرٌ وشرك: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (3)﴾
وفيها عدة محرمات كقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (4)﴾
وسورة الإسراء مكيّة وفيها شرائع وأوامر غير التوحيد المضاد للشرك، وذلك من قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ (5)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿كُلّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْد رَبّك مَكْرُوهًا (6)﴾. وهذا الأمر من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - هو عينُهُ ما دعا إليه الأنبياء؛ ولذلك كان الأقوام الكفرة يُنازعون أنبياءهم في التوحيد وفي طاعة هذه الشرائع كما قال قوم شعيب له: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُكُلّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْد رَبّك مَكْرُوهًا (7)﴾
ونازعَ قوم لوط لوطًا في جريمة إتيان الذكران فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ (8)﴾ وهذا يدلُّ على أنهم شرعوا حقوقًا من عند أنفسهم وجعلوها شريعة، فكان النزاع بين
(1) النساء: 160 - 161
(2) الأنعام: 141
(3) الأنعام: 121
(4) الأنعام: 151
(5) الإسراء: 23
(6) الإسراء: 38
(7) هود: 87
(8) هود: 79