تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دخوله - عليه السلام - في الوعد الذي أعطاه الله لأنبيائه بالنصر على أعدائه ومخالفيه، كما في سورة الأنبياء: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (1)﴾

في هذه الآيات من سورة العنكبوت يبدأ إبراهيم - عليه السلام - دعوته لقومه كما هي دعوة كل الأنبياء، يدعوهم لتوحيد الله تعالى والعمل بأوامره واجتناب نواهيه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾، وتوحيد الله تعالى أصلًا وفروعًا مبسوطٌ في كتاب الله تعالى وفي سُنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو المضاد لعبادة الأوثان واتخاذ الأصنام، وهو المانع من طاعة غير الله في أوامره ونواهيه، وهو الموجِبُ على العبد أن يصدق أخبار الرسل في ما غاب عن الإنسان قبل الموت أو بعده، فهذا هو أصل التوحيد الذي جاء به الرسل، وحين يكون العالِم لدين الله تعالى داعيًا أو معلمًا أو مُبلِّغًا يُجابه شركًا صريحًا وكفرًا لا خفاء فيه فإن دعوته لقومه تكون على نفس الغرز الذي جاء به الأنبياء جميعًا، وهو ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولمّا يعارض المشركون هذه الدعوة المضادة صراحة لِما هم فيه يكون الأمر بيّنًا للمهتدي بكتاب الله، فهم مشركون كفرة وهو موحد مؤمن، لكن كيف يكون الأمر ما لم تكن المعاندة على هذا الوجه من الوضوح وذلك بأن يزعم المشرك أن فعله ليس شركًا يضاد أصل التوحيد، فحين يرد دعوة الداعي فهو لا يرد دعوة توحيد الله ولكنه لا يرى أن ما عليه يضاد هذا التوحيد، أو حين يكون المدعو مُقِرًا بحق من حقوق التوحيد، منكرًا لبعضها على معنى أنها معصية لا تنقض توحيده، أو أنها عملٌ لا تعلق له بالتوحيد والإيمان، فهل قصص الأنبياء تكون عبرة وموعظة لهذا الداعي في رحلته الإيمانية مع قومه؟

إن هذا السؤال نِتاج فصامٍ نكد حققته مجموعةٌ من العوامل التاريخية من مناهج أهل البدعة كالمرجئة والصوفيّة، وساعده فهمٌ مغلوط لفهم دعوة الأنبياء كما يعرضها القرآن الكريم.

أمّا مناهج البدعة في تحصيل الشخصية القرآنية ما زال يحتاج إلى جهود، لا ليتشكّل الوعي العلمي على مذاهب الباطل ومنهج الحق، ولكن لتُبْنى نفسية المهتدي عملًا ومزاجًا ومَلَكة واختيارًا على وفق هداية القرآن الكريم، وهذا لا يكون إلا بالعيش في بيئة القرآن، لا تفسيرًا في مجالس العلم وقراءة الكتب السلف فقط، بل بالاندماج في هذه الحياة، وهي بيئة هؤلاء الأنبياء في كل الظروف والأحوال.

فها هنا إبراهيم - عليه السلام - يوجه قومه إلى حقيقة الرزق، وهو أنه عند الله لا عند من يعبدونهم ويشركون بهم، وانحراف الناس عن التوحيد وتوابعه بسبب المال هو حالة مسلوكة للبشرية في كل تشكُّلاتها، فقوم موسى - عليه السلام - قال الله عنهم: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ? وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ

(1) الأنبياء: 9

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٧٧