الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعصر الرسالة.
لقد غُزيَت دار الإسلام واستُبيحت مرة بعد مرة حتى بدا للبعض أن لا قيام لأُمَّة الإسلام بعدها، حدث هذا في زمن الصليبيين، وزمن التتار وحدث على هذا المعنى لديار إسلامية كثيرة في المشرق والمغرب وغَلبَ المرتدون العبيديون على المغرب ومصر، فماذا كان إلا ما سبق من النصر للأنبياء بالنجاة وهلاك الأعداء، وما هذه الأمور إلا جريان على معاني الآيات التي سبقت لنوح وهود وصالح وشعيب ولوط - عليهم السلام -، يفهم هذا كل من كان له قلب ويَعِي معنى العبرة والتذكرة في القرآن.
يأتي الماء إلى قوم نوح - عليه السلام - مُتتابعًا، ويفرُّ المعاند من تلةٍ إلى جبل، ومن جبل عالٍ إلى جبل أعلى منه حتى يدركه الماء فيكون من المغرقين، وتأتي كتائب الجهاد بعد مجيء الصليبيين إلى بلاد الإسلام، وتبدأ مدافعتهم، وتنشأ محافل الإيمان وأسواقه، وتقع المحن والابتلاءات على المؤمنين، مرة يغري الله الكافرين أنهم بلغوا مرادهم في موقعةٍ يحسبون أن مكّة صارت بمتناول أيديهم، وتبلغ قلوب المؤمنين الحناجر، فتقوم السوق الإيمانية ومددها التصديق بوعد الله أن ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ (1)﴾ وتضيق مياه الإيمان الذين هم رجاله على الكافرين وسبيلهم، وهم يرجون حتى تطهر أرض الإسلام منهم، ولا يبقى فيها إلا أذان بلال - رضي الله عنه -: الله أكبَر، الله أكبَر.
وهكذا يبدأ الوعد بقطرة ثم تتكاثر أمام قِلاع الباطل ﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (2)﴾ حتى يصل الوعد إلى مُنتهاه ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (3)﴾؛ لأنه وعد الله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (4)﴾، أمّا المنافقون فينتظرهم قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ (5)﴾، أمّا الذين يستعجلون البلوغ فيقال لهم: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ هذا مع أن نوح - عليه السلام - قد أنذر قومه الدجّال كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إني لأنذركموه، وما من نبيٍّ إلا أنذره قومه، ولقد أنذره نوح قومه)) وها هو الدجّال لم يخرج إلى يومنا هذا، ومع ذلك بقي وعد الله، وهو آتٍ لا محالة، يُصدق به كل مؤمن موقن بكلام ربه، وكما قال
(1) هود: 43
(2) الفجر: 9
(3) هود: 44
(4) القمر: 45
(5) المائدة: 52