تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ورَجْفة ثمود ويوم الظُّلَّة لقوم شعيب ولم يحدث واحدة من هذه على المعنى الذي وقع لهم مع أي قوم كفروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعذبوه وأخرجوه وآذوه؟

إن ذِكْر هذه العواقب ليدل على معاني عظيمة عند أهل الإيمان، فإن هذه العواقب هي بصائر لهم كما قال - سبحانه وتعالى -، فهم يتعظّون بها ويخافون من وقوع أفرادها عليهم إن عصوا وأعرضوا كما قال - سبحانه وتعالى -: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (1)﴾ كما أن هذه العواقب فيها إنجاز الله لوعده مع الأنبياء أنهم هم المنصورون، فلا تغرنكم قوة الباطل ولا سلطانه الظاهر فإن مآله إلى زوال، وهذا الذي حَدّث به مؤمن آل فرعون قومه به فقال - رضي الله عنه -: "يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا، قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب، مثل دأب قوم نوحٍ وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلمًا للعباد."، ولذلك طَمْأن الله نبيَّهُ بالنصر مهما كان أعداؤه من قريش في قوتهم وجبروتهم وقال كما في سورة مُحَمَّد: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (2)﴾

وبعد أن ذكر الله الأقوام السابقين في سورة القمر قال: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ (3)﴾

فكان ذِكر عاقبة الأُمم السابقة عبرة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه أن العاقبة لهم على الوجه الذي يحبه الله لهم وقَدَرُه عليهم، وليس على المشابهة للحال نفسه في كل حدث. فهل وقع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما وقع للأنبياء السابقين؟ الجواب: نعم، وعلى وجهٍ فيه الدلالة أعظم، فقد أهلكَ الله من أهلك من طواغيت قريش على يد الفئة المؤمنة التي كانت مُستضعفةً تحت أيديهم، وهدى الله من هدى منهم، فلم يذهبوا إلى قبورهم إلا وقد صاروا أنصار الحق، ويبلغونه للناس، ويستشهدون في سبيله، وصارت أعظم القُرى المُناوِئة له دار إسلام لا دار خراب كما صار للديار السابقة التي قال فيها: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (4)﴾ فَمَن أعظم؛ آية أن تُهلَك القُرى على هذا المعنى من العذاب، وهي آيةٌ عظيمة، أم أن تصبح القريةُ دارَ إيمان لا يكون فيها كُفرٌ قط إلى قيام الساعة؟

فالمُتسائلون عن غياب الآيات في الكافرين على الوجه الذي وقع للأُمم السابقة لم يفهموا العبرة من القصص؛ ولذلك هم لا يرون الآيات العظيمة في واقعهم، أو التي وقعت بعد بعثة

(1) الإسراء: 59

(2) مُحَمَّد: 13

(3) القمر: 43

(4) القَصَصْ: 58

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٧٥