تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمن خلال هذه السُنَن الإلهية الجارية من نصرة لأهل الحق وبقائهم في أشد الخطوب والمِحَن، ونجاتهم كما نجى الأنبياء، وزيادتهم مع كل ما يحيط بهم من عِداء وقتل وسجن وتعذيب ليدل على أن يد الله معهم لا مع غيرهم، ومن ينجو من أهل البدع في مواطن البلاء إنما ينجون بما معهم من مقدار الحق؛ لأن هذا هو عدل الله تعالى في هذا الباب وفي كل باب، وهذا المعنى هو المراد في رد الله تعالى على الكافرين في طلبهم الآيات في أوائل سورة الأنبياء كما تَقَدَّم قوله - جلَّ في علاه -: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ? مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾، فردَّ الله عليهم ببيان الآيات الكافية لهم لو كان لهم إدراك وعلم، أو كانوا طلاب حقٍ حقًا، فقال ربنا العظيم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ? وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ? ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ (1) فجعل سبحانه آية نصر الله لأنبيائه وهلاك أعدائهم فيه الكفاية على الحق الذي أتوا به، مع أن هؤلاء الأنبياء هم بشر من البشر، يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق - كما ذكر ربنا عنهم في سورة الفرقان - فهم وأعداؤهم يشتركون في نفس السُنَن، فلماذا نجى الأنبياء وأتباعهم وانتصروا، وهلك أعداؤهم وخُذلوا؟ إنها قاعدة الحق المذكورة في نفس السورة - الأنبياء -: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (2)﴾.

فدعوة أهل الحق لأهل البدع من المخالفين تكون بقولهم: تعالوا إلى كتاب الله لنُقيمه كما أقامه الأوائل، ولنتَطهَّر من كل أَدْران الجاهلية من أمور تصوّرية أو عملية، ولنبني أعمالنا على حب الآخرة وميزانها، وعلى اليقين أن وعد الله لا يتحقق إلا بما أمر الله تعالى، ولنرفع أحكام القرآن في الناس والأشياء والجماعات والحكومات، ولنسلك سبيل الأنبياء مهما طال الزمن وكَثُرَت المِحَن. نقول لهم هذا، ونُعلِّمهم أن أحكام القرآن ليست عمومات وقواعد يملؤها من شاء بالأهواء والشهوات وتصورات الجاهلية، بل نُعلّمهم أن في كتاب الله الكفاية لكل أحداث الوجود ومفردات الحياة وأسئلة الباحثين، ومن غير هذا التصور فإن شعارات الناس اليوم أن الحل في كتاب الله على ما يعنون من عمومات لا تجيب على هذه الأمور لن تكفي في إزالة هذه الغربة.

وأمّا الخطاب القرآني الآخر لهؤلاء في تعنُّتهم فهو المذكور في سورة الفرقان، فإن الله علَّم رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يُحذرهم من الآخرة حتى وهم ينكرونها ويستهزؤون بالمؤمنين بها، فإنهم لمَّا استنكروا بشرية الرسول وطلبوا الآيات القاهرة كما قال تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ

(1) الأنبياء: 7 - 9

(2) الأنبياء: 18

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٧٣