مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} (1)، وفي سورة الحجر هذا البيان الواضح في قوله عنهم: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ? لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ? مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُّنظَرِينَ ? إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (2) فجعل إنزال الذكر وحفظه له هو الحق مقابل طلبهم الباطل، جلَّ سبحانه وتعالى في علاه.
فحجّة أهل الحق للمخالفين هو هذا الكتاب، يُرَد به على كل المخالفين من زنادقة ومبتدعة يَتنكَّبون طريق أهل الحق موافقةً لأهل الباطل غرورًا بهم وابتعادًا عن أهل الحق لعدم صبرهم ويقينهم في الثبات على الحق والجهاد والبراءة من الطواغيت، ثم النظر إلى سنن الله القدرية السارية بين أيديهم، فإن أهل البدع المعاصرين الذين شربوا روح الجاهلية ودخلوا في سبيلها ووالَوا الطواغيت، وعادوا أهل الحق والإيمان والجهاد يُعلم من طرائقهم أنهم لا الإسلام نصروا ولا الشرك هزموا، بل ميَّعوا الحق وخلطوه بالشوائب والأهواء، فلم يُحققوا مراد الله تعالى في الفصل بين الخلق، وتمييز مراتب الناس على أساس الإيمان والتوحيد، بل صار هذا التمييز عندهم هو عنوان التخلف والتحجر والجمود، وصارت أحكام الشرع في الناس ومراتبهم تستنكر في أحاديثهم وأحكامهم، وحلَّ بدلًا منها أحكام الجاهلية الباطلة مما هي على الضد من أحكام الإيمان.
وقاعدة القرآن هي جريان حوادث الوجود ليتم بيان حقائق الناس على قاعدة الإيمان كما قال تعالى: ﴿يَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ (3)، وقال تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ (4)
والآية المتقدمة في هذه السورة التي بين أيدينا: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ وغيرها من الآيات، أمّا قاعدتهم هم فهو إنكار هذا التفريق، بل ومعاداة أعمال الإيمان التي تحقق هذا التفريق والتمييز.
(1) هود: 12
(2) الحجر: 6 - 9
(3) الأنفال: 37
(4) البقرة: 143