قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ وهذا الطوفان لم يأتهم فجأة كما تدل آيات سورة هود، بل كان الماء يتصاعد لحظة بعد لحظة، فإن ابن نوح لمَّا ناداه النبي - عليه السلام - قال رادًا عليه: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ (1) فدلَّ هذا أن هذا الكافر كان يأمل أن لا يبلغ الماء ما بلغ من الارتفاع، وأن هناك من الأرض ما يمكن أن يمنعه من الماء، ولو كان الماء فجأة لمَا جرى هذا الحوار.
قوله تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ هذه السفينة التي أمره الله ببنائها بقول: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ (2) فصار قومه يستهزؤون به: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ? فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ (3)
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ وذلك مثل قوله تعالى في عيسى - عليه السلام -: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ﴾ (4) فإن الخبر وحدثه لا يكون عبرة لمن سَمعهُ وصدَّقه، وهذا وجه من التأويل.
ووجه آخر تحتمله الآية، وهي أن السفينة بَقيَت في استقرارها على الجودي كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ﴾ (5) قد بقيت هي نفسها آية للناس كما قال الله عن فرعون لمَّا أغرقه: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ (6) ولقد سمعت من بعض من يهتم بدراسة جغرافيا القرآن الكريم وهو يقول: "لو فُحص عن أمر السفينة اليوم فقد نجدها." والله أعلم.
هنا لا بُدَّ من تجلية مفاهيم جاهلية معاصرة تتعلق بالآيات التي واكبت حركة الأنبياء، إذْ كثيرٌ من أهل الجهل يظنون والبعض يقول بـ: أن الواقع المعاصر لم يَعُد فيه هذه الآيات التي واكبت حركة الأنبياء، ويتخفون تحت شعار انتهاء عصر المعجزات لعقيدة ختم النبوة وتوقف إرسال الرسل، وهذا القول هو عُمْدتهم بأن العامل اليوم ليس مقيدًا بسلوك الأنبياء في الإصلاح والتغيير؛ لأن النتائج لن تكون هي النتائج التي وقعت للأنبياء، وبهذا يجيزون
(1) هود: 43
(2) هود: 37
(3) هود: 38 - 39
(4) مريم: 21
(5) هود: 44
(6) يونس: 92