هذا النبي العظيم الذي لم يقُل كلمته: ﴿رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ (1) بعد يومٍ أو يومين، ولا سنةٍ ولا سنتين كما يفعل البعض وينتظر أن يكون إجابة دعوته في صباح اليوم الذي دعا في ليلتهِ تلك هذا الدعاء، بل قال هذا الدعاء بعد ألف سنة إلا خمسين عامًا وبعد أن علم أنه انقطع منهم الرجاء بأنه لن يؤمن أحد.
الزمن في حالتين هو ضغط على النفس في المشقة وفي الانتظار، وكلاهما يعيشهما العامل لدين الله تعالى، فهو في المحن ومشقاتها، وهو في واقع انتظار وعد الله تعالى، فطول الزمن يختبر المعاني والقيم ويختبر اليقين على الموعود ولا يصبر تحت ضغطه إلا أهل الصبر واليقين، فالصبر على المشقات وغَمَراتها واليقين على الوعد الآتي من الحق رب العالمين هما عِدَّتا الطريق للوصول إلى النصر وبلوغ الغايات والوعود الإلهية.
لقد عاش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث عشرة سنة في مكة هي أطول من عيشه - صلى الله عليه وسلم - في المدينة، مع أن أحداث المدينة أكثر زخمًا وتنوعًا، وأمّا حياة مكة فإن المؤمنين الذين استجابوا له إنما استجابوا في الدفقة الأولى من الدعوة ثم جرت الحياة في عمومها على معنى واحد إلا من أحداث متباعدة كالرحلة إلى الطائف والإسراء والمعراج والهجرتين إلى الحبشة، ولو نظر إليها ناظر إلى ظاهرها لَما رأى فيها أي إنجاز يعادل إنجاز المدينة، لكن الحقيقة أن الزمن في مكة كان زمن الصبر، وهو زمن الاختبار وتحقيق القواعد الأولى لبناء الإسلام العظيم.
الثبات عند الضغوط هو إنجاز عظيم في حد ذاته؛ لأنه إن لم يكن فلن يكون هناك فتح ولا نصر، ولمَّا شكى الصحابة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - شدة ما يعانونه عابَ عليهم الاستعجال: ((ولكنكم تستعجلون)). وبشَّرهم بالوعد القادم حقًا ويقينًا، وقد شرحتُ حديث خباب بن الأَرَت - رضي الله عنه - في جزءٍ مستقل وذلك بيانًا لهذا الأمر وتفصيلًا له. (2)
ها هو نوح يعيش في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، ولو عاش خمسين عامًا فقط على هذا الحال لكان صبرًا عظيمًا، فكيف بهذه المدة الغريبة العجيبة، ثم كان ماذا؟ هل طول الزمن أذهبَ الوعد؟ وهل تأخير العذاب قد صرفه عنهم؟ وقد تحقق قوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ? أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ? ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ ? مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ (3) وهل عيش المرء ألف عام يُعادل لحظةً في عذاب الله في جهنم؟ ﴿أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾.
(1) نوح: 26
(2) راجع للكاتب: طيب المقال في حديث الاستعجال؛ شرح حديث خبّاب بن الأَرت - رضي الله عنه -: ((ولكنكم تستعجلون)).
(3) الشعراء: 204 - 207