تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الصحيح -، فلهم الخيار في طول العمر كما حدث مع موسى - عليه السلام - عندما جاءه ملك الموت ليقبض روحه، فقد جاء في الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "أرسل ملك الموت إلى موسى - عليهما السلام - فلما جاءه صكه، فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت، قال: ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطّى يدع بكل شعرة حسنة، قال: أي ربِّ، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن." وكذلك ما صحَّ عند الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لمَّا خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وَبيصًا من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أي ربِّ، مَنْ هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلاً منهم فأعجبه وَبيص ما بين عينيه، فقال: أي ربِّ من هذا؟ فقال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يُقال له داوود، قال: ربِّ وكم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة، قال: أي ربِّ، زده من عمري أربعين سنة. فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت فقال: أولم يبقَ من عمري أربعين سنة؟ قال: أولم تعطها لابنك داوود؟ قال: فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته))

ولذلك عاش أجيالًا تلد وتعيش ثم تموت، وكان في كل جيل يطمع أن يأتي قوم آخرون تكون فيهم الهداية والتوبة فلم يرَ إلا أجيالًا تموت كافرة وأخرى تلد كافرة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً﴾ (1) وهذا لا يقوله من عاش جيلًا معه أو أبناء هذا الجيل، بل هو قول نبي يخبر عما رأى وخَبِر من أجيال متعددة متعاقبة، ويؤيده الله بقوله: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ (2) وهو مع ذلك صابر بينهم يرجو لهم الهداية، ويصبر عليهم ويعظهم ويرقب وعد الله بالنصر الآتي.

فحين يرفع أحدهم صراخًا: "متى الوعد؟ " أو حين يستعجل العامل النصر، أو حين تكلُّ همة المبتلى تحت العذاب أو القيد أو الغربة يكون هذا الخبر بلسمًا لهم، فإنكم مهما بلغتم من الزمن طولًا تحت هذا الصبر فإن نوح - عليه السلام - صبر ألف سنة إلا خمسين عامًا.

لقد ذُكِرت العوامل الوجودية المحيطة بالمرء في الابتلاء من أبق ومستكبرين ويأتي عامل الزمن على صورة المثال الواقعي الذي يقطع الأعذار بأن الصبر قد بلغ منتهاه؛ وهو مثال

(1) نوح: 26

(2) هود: 36

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٦٦