فاللهم نسألك العفو والعافية.
وإن من معاني حمل المرء سيئات غيره هو حمله سيئات المظلومين بظُلمه، فإن الظالم يؤخذ من حسناته وتُعطى للمظلوم، حتى إذا فَنِيت حسناته أُخذ من سيئاته فوضعت عليه - كما في الصحيح -، فإن المظالم يوم القيامة تُؤدَّى بالحسنات والسيئات لا غير. أمّا قوله: ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ فإن السؤال هنا بمعنى: المُجازاة والعقوبة، والسؤال يوم القيامة يكون لمعاني منها هذا المعنى ..
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ? فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (1) لقد ذُكِرَت قصة النبي نوح - عليه السلام - في مواطن أخرى من كتاب الله، وفيها قد فُصِّلت سيرته معهم كما في سورة الأعراف ويونس وهود - وهي أطولها ذكرًا -، والشعراء، كما أن هناك سورةٌ باسمه - عليه السلام - هي سورة نوح، ولم يُذكَر في أي موطن مقدار مُكثه في قومه إلا في هذا الموطن المجموع في آيتين فقط؛ لأن ذكر الزمن هو المقصود هنا من سياق ذكره - عليه السلام -، ذلك لأن هذا هو من أعظم مواطن الابتلاء والمحن، فالمرء يصبر عشرًا وعشرين ومئة ومئتين من السنين، أمّا أن يكون صبره على قومه المعاندين الكفرة هذه المدة الطويلة ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا﴾ فهذا هو عين الصبر على البلاء ومنتهى الإعذار إلى الله تعالى. ونوح - عليه السلام - ككل الأنبياء جاء بالتوحيد لقومه ومعه الوعد بالنصر إن خالفوه، فهل ترى يا عبد الله أن الوعد قد تأخر بعد أن أتى بعد هذه المدة؟ لا والله، بل لكل أجل كتاب، والله يُمهل عباده ولا يهملهم، ويصبر عليهم ولا ينساهم، ويَعِدُ عباده المؤمنين ولا يخذلهم، ويبقى الزمن في وسط المحنة والابتلاء والفتن هو من أعظم المرهقات وأثقلها على المرء، والمرء يبدأ قويًا بما رُكِّب عليه من فطرة قوة الابتداء ثم يبدأ الزمن - وهو خصمٌ لدود في الفتن - يلقي بثقله، ويستهلك هذه القوة يومًا بعد يوم، بل لحظة بعد لحظة، حتى إذا طال صار المرء إلى حالةٍ من الضعف والإرهاق، وإن خلا من عوامل المدد والقوة آلَ أمرُه إلى التخاذل أمام خصمه.
قد يكون نوح عاش طويلًا كما يعيش أهل زمانه، فالله أعلم بأعمارهم في الزمن الغابر، مع أني أظن أن هذا عمر خاص به وليس لأهل زمنه؛ هذا لأن الأنبياء - عليهم السلام - حال خاص في العمر ليس لغيرهم، فهم لا يُقبضون حتى يُستأذنون - كما ورد في ذلك الحديث
(1) العنكبوت: 14 - 15