تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك يقول الجهلة إنهم معذورون وليس لهم من الأمر شيء.

إن المرء الذي يعلم الحق ثم يذهب إلى غيره عملًا وسبيلًا بحجة أن الإثم على داعِيهِ أو آمِرِه هو امرؤٌ جاهل، فإن وإن حمل المفسد إثم نفسه وإثم المدعو كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ (1) إلا أن هذا المستجيب عليه إثم فعله، لا ينقص منه شيء.

هذه الصورة من الفتنة ليست حدثًا ماضيًا ذهب في ثنايا التاريخ، بل سيرةٌ متجددةٌ يُطمْئِن فيها الأتباع نفوسهم بالوهم أنهم ليسو شيئًا في مواجهة الكفر ضد الإيمان، وقد كانت هذه الحجة دومًا للحُوقِ الجموع والقطعان لدافعي الأموال وباذلي الشهوات لهذه الجموع، ومن خلال هذه الجموع تبقى طائفة الملأ والاستكبار والبغي حاكمة غالبة، لا بأيديهم هم، بل ولا بأيدي أبنائهم وأحبابهم بل بأيدي هذه القطعان التي تحارب الحق من أجل الشهوة العابرة والرزق العاجل، وحين توجه ضربات أهل الحق ضد هؤلاء لأنهم الدروع والصدور للباطل المتخفي وراءها فإن عقائر الجهل تبدأ بالصراخ: "ما لكم ولهؤلاء المساكين، إن كنتم ولا بُد مقاتلين فعليكم بالملأ"؛ ولو أطاعَ أهل الجهاد دعوة هؤلاء الجهلة لبطل الجهاد في تاريخ الأُمَّة ومستقبلها، فهل تظن أن مئات الآلاف الذين كان يقاتل بهم هرقل في الشام في اليرموك، ومثلهم الذين يقاتل بهم كسرى في القادسية غير هؤلاء الذين تدافعون عنهم أنهم مساكين وليس لهم من الأمر شيء. ثم ينسى هؤلاء أن قطعان الأتباع من بهائم البشر هم في عدائهم إن قدروا على المؤمنين أشد من الكافرين بالله واليوم الآخر، وهم أحسن مواد الباطل في إيقاف الجهاد وحركة الإيمان وغلبة الحق، فإنهم إن غلبوا على المؤمنين كانوا أشد عداءً وكفرًا، وإن أصاب منهم المؤمنين مقتلة تباكى الكفر وملأ الاستكبار أن أهل الجهاد يقتلون المُصلين والمساكين وأهل جلدتهم؛ ولذلك لم يكن للكافرين على المؤمنين نصيب إلا بأيدي هؤلاء القطعان من بهائم البشر.

هذه القاعدة القرآنية بعدم براءة العامل من عمله بحجة أن الإثم على الآخر الداعي يستخدمها كذلك في زمن الجهالة المُقلدون لفتاوى الباطل، فإن كثيرًا من أهل الأهواء والجهالة يعلمون بطلان بعض الفتاوى، ويعلمون فسق وضلال وانحراف بعض المفتين، إلا أنهم يخادعون الله فيما يظنون وما يخدعون إلا أنفسهم ويأخذون بهذه الفتاوى لأنها تحقق لهم أهواءهم وشهواتهم، فإن واجههم ناصحٌ بضلال هذه الفتاوى أجابوه أن الإثم على المفتين لا على أنفسهم، والله يعلم أنهم ما تركوا الحق إلا وهم يعلمونه، وما ذهبوا لهؤلاء المجرمين من المفتين إلا لأنهم يعطونهم ما يحبون ويبررون لهم أفعالهم.

ولو سُئِلَ أحدهم: لماذا تركت هذه الفتوى وأخذت بغيرها وأنت تعلم حال مفتيها؟ لَما وجدت

(1) النمل: 88

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٦٢