تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم تأمّل هذه الدعوة الشيطانية هل ترى فيها دعوة للكفر باليوم الآخر أو الكفر بالله على معنى الاعتقاد؟

إن هؤلاء المستكبرين، دعاة الكفر لا يطلبون منهم الكفر باليوم الآخر ولا الكفر بلقاء الله، بل هم يثبتون لهم هذا المعنى ويقولون لهم: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾، فهم يُقرُّون أن هذه خطايا، وأن الخطايا لا بُدّ لها من حساب كما هو في قولهم: ﴿وَلْنَحْمِلْ﴾ فلو لم يكن حساب لها لَما كان لحملها معنى عند الطائفتين، ولكنهم في هذا الحال وهو حال تقدمت صورته في قوله تعالى: ﴿وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ﴾ أي: حال الجهاد ومقدماته، لا يهم ماذا يكون اعتقادك بل المهم في أي السبيلين أنت، ولذلك قالوا: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾.

إن هذه الجموع من البهائم التي تبيع دينها فتدخل في سبيل المجرمين لا عذر لها عند الله تعالى، والذين يعذرونهم بحجة صحة اعتقادهم أو بكَوْن الذنوب على الطواغيت لا عليهم لاستضعافهم، هم أهل ضلال وجهالة ولا يعلمون كتاب الله، بل هم بأقوالهم هذه يُهوِّنون على هذه الجموع من البهائم الدخول في طوائف الكفر والقتال معهم ونصرة الباطل على الحق، وهم بهذا يفعلون فعل الكافرين هنا حيث يُجيز هؤلاء الكفار - كما في هذه الآيات - شراء الذنوب يوم القيامة، وهؤلاء كذلك يرون أن الذنب عمل المتبوع لا التابع. وآيات القرآن في هذا الباب جليَّة واضحة كما في سورة إبراهيم: ﴿وَبَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً﴾ (1) وفي سورة سبأ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ (2) وغير ذلك من الآيات مما هو مبسوط في غير هذا المكان.

فإعذار جموع البهائم وهي سالكةٌ سبيل المجرمين، تعمل بعملهم، لا يقول به إلا من جهل دين الله، وقال على الله ما ليس به علم، وكفى بذلك جرمًا في الدنيا والآخرة، وكيف يقول هذا القول امرؤ قرأ كتاب الله تعالى، ورأى واقعه في واقع العلاقة بين المستكبرين والأتباع، وأنها علاقة متعة، كل واحد من الطرفين يحقق غرضه وشهواته: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ? وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (3)، فالجموع والقطعان الذين يعذرهم هؤلاء يكشف القرآن واقعهم أنهم يتمتعون بعلمهم هذا، بل ويستشفعون بالآخرين ليدخلوا جنودًا عند هؤلاء المستكبرين، ويُعدُّ الداخل معهم والقريب منهم صاحب حَظْوة يُحسد عليها من أمثاله، ومع

(1) إبراهيم: 21

(2) سبأ: 31

(3) الأنعام: 128 - 129

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٦١