تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلا جوابًا واحدًا، أن هذا المُفتي يحقق لهم أهواءهم.

لقد طَفِق أحمد بن أبي داوود يحرض الخليفة على قتل الإمام أحمد في فتنة خلق القرآن وهو يقول: "اقتله ودمه في رقبتي." يجري بكلمته هذه كلمة أهل الكفر هنا: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾، ويفعلها الوارثون لهؤلاء اليوم من المفتين وهم يُحلون للناس أكل الحرام من الربا وغيره، ويُهوِّنون عليهم قتل المؤمنين من المجاهدين وأنصارهم، ويدفعون القطعان للدخول في طوائف الكفر وهم يضربون على صدورهم: إثمكم علينا.

إنني لا أعلم في واقع الحال طائفة كفر وردّة تُجيّش هؤلاء البهائم للدخول في سبيلها إلا ويجري معها هؤلاء المفتون يعلنون هذه القاعدة: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾، فيا لكفر هؤلاء المفتين، ويا لجرأتهم على الله تعالى وعلى القول عليه بما يعلمون بطلانه: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ (1)

وقد يسأل سائل: فكيف للعامي أن يعرف ضلال هؤلاء الدعاة: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾؟ فيقال لهم: "إن الحقَّ أبْلَج والباطل لَجْلج"، فما من باطلٍ في الأرض إلا وعليه ظلمته والدلالة عليه أنه باطل، يعلمه كل أحد في نفسه، وما من حق في الأرض إلا وعليه نوره والدلالة عليه أنه حق، يعلمه كل أحد في نفسه، فالحق والباطل لا يشتبهان، وإنما تشتبه بعض الأمور الخفية على بعض الناس. ثم إن الله أقام لأهل الحق دلائل الحق من صبرهم وصدقهم وثبات أقوالهم، وأقام لأهل الباطل عليهم دلائل الباطل من بيعهم دين الله ومسايرتهم الكفر والطواغيت في أفعالهم وشهواتهم، وهذا في واقع الأمر لا يشتبه على الناس، ولا يغرنك أقوال أهل السفاهة بألسنتهم أنهم في حيرة واضطراب، فهم كذبة مفترون، بل إن أهل الباطل يعلمون أن هؤلاء المفتين إنما يَتبعونهم للدنيا، ويوافقونهم بالباطل، ومما يشهد لهذا أنه مجرد أن يخالف المفتي شيئًا من أفعال ورغبات هؤلاء الطواغيت حتى يطرد ويُنْبَذ، فلا يساكنهم ويجاورهم إلا من أعطاهم كل ما يحبون من باطلهم الذي يُقوِّي سلطانهم وكفرهم.

قوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ليس معناه حمل الخطايا على معنى انتقالها عن الفاعل إليهم، وفراغ ذمة الأول، بل معناه الرد على هذا المعنى وهو: أن هذا الحِمْل من الخطايا باقٍ على ظهر الأول، وهو كذلك محمول على ظهر الداعي كما في الآية التي تليها: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾. ولذلك كَذَّبَ الله معناهم هذا بقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، وقد يكون معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ هو معنى قوله تعالى عنهم يوم القيامة: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ

(1) البقرة: 175

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٦٣