تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يسألُ سائل: كيف يكشف المنافق بالبلاء؟ وهل النفاق إلا حالة ستر وتخفِّي، فأن يُعلَم المنافق أنه منافق لا يغيّر من كونه ما زال مستترًا مُتخفيًا بستار النفاق. اعلَم أن النفاق حالة وجودية ظاهرة في مُجملها وليست مُختفية، فلذلك النفاق حكمٌ شرعي كما الحكم بالإيمان والكفر، والصحابة كانوا يعلمون المنافقين كما هو الصحيح في أقوال أهل العلم، وهناك منافقون لا يعلمهم إلا الله - سبحانه وتعالى - كما قال تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ (1)، وهؤلاء وصفهم الله بالمَرَدة العُتاة فقال: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ (2).

لكن هناك منافقون مكشوفون بكشف الله صفاتهم وأقوالهم ومواقفهم، وأقوالهم وصفها الله وكشفها هي أقوال لا تصل إلى حدِّ الحكم بالردة والكفر، فلو فعلوا أفعال الردة لكان فيهم حكم الله تعالى: ﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ? مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ? سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (3)، فكان أن انتهوا فمُنع عنهم حكم الردّة، لكن هم في منطقة الظل من الأعمال مثل الترجيف والجبن والاعتذار بالباطل على تخلُّفهم عن مواطن الإيمان، وهي أقوال ظاهرة يعلم المؤمنون كذبها لكنها كافية في الشرع لرد حكم الكفر عنهم.

ولذلك فإن من الإيمان والعلم به هو العلم بالمنافقين، والجهل بهم هو جهل بحقائق الإيمان، فإن أصاب الجماعة المؤمنة هذا الجهل كان مَرّده عليهم وبالاً في الدنيا بما يصيبهم من خبثهم ومكرهم وجُبنهم وبخلهم في مواطن البلاء والفتنة. ولذلك فإن الفتنة تَكشف المنافق لا ليخرج من دائرة النفاق إلى الكفر الظاهر الصريح، بل هي تكشفه ليعلم الناس نفاقه، وهو نفاق كما تقدم لا يتعلق بالاعتقاد، بل هو نفاقٌ يتعلق باختياره بين الآخرة والدنيا في مواقف الجهاد والبذل والابتلاء وهو نفاق أكبر كذلك، إذْ من الخطأ القول إن النفاق الأكبر هو النفاق الاعتقادي، والنفاق الأصغر هو النفاق العملي بإطلاق؛ فالصحيح أن النفاق العملي منه الأصغر ومنه الأكبر، وتفصيل ذلك بَيِّن في كتاب الله تعالى وفي سُنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وفائدة كشف المنافق أنه منافق تعودُ للدنيا والآخرة، أما الدنيا فللطائفة المؤمنة أن تتعامل معهم كما تعامل معهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكما أمر الله تعالى كقوله: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ

(1) التوبة: 101

(2) التوبة: 101

(3) الأحزاب: 60 - 62

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٥٩