والجلد والتضييق، وسبب حصر الؤمنين للحالين كما في سورة التوبة؛ لأن حال الإسلام في المدينة صار مستقرًا، وصار للمؤمنين دار يأوون إليها ويأمنون فيها، فإن خرجوا للجهاد فهم إلى نصر وفتح إلهي يؤوب به المجاهدون إلى ديارهم أو إلى شهادة بعضهم، أما هنا في سورة العنكبوت فإن الحال مختلف، فهي خطاب لمؤمنين في دار لم يستقر أمرها بعد أو أنهم في حال استضعاف ورغبة هجره إلى دار أمانٍ واطمئنان؛ ولذلك كان الحال في سورة مُحَمَّد لمّا قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ (1) هو حال الدار في مبتدئها التي تعاني عدم الاستقرار الآمن، لكن الحال في سورة التوبة كان على وضعٍ آخر إذْ أنها نزلت بعد أن صار لهذه الدار القدرة أن تطبق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ﴾ (2) فكان خروجهم إلى الروم بفضل الله ورحمته.
قوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ هو حالٌ آخر غير الذي تقدّم من قوله - سبحانه وتعالى - في بداية السورة: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾، إذْ أن مبتدأ الفتنة في أحوالٍ عدة منها، وجود دار الإسلام القاهرة على مَن فيها أو عدم وجودها فتكون الفتنة كاشفة للصادق من الكاذب، فينحاز كل واحد إلى طائفته بوضوح وبيان، لكن هذه الآية: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ لا تصنع الفتنة لهذا الانحياز، بل يبقى المنافقون في الصف الإسلامي، وهم يملكون كل أدوات الخداع والتَّخفي من أقوال وأفعال مبسوطة في سورة التوبة، وفي سورة الفتح تصنع هذه الأفعال والأقوال قدرة على البقاء الخبيث كبقاء الحشرات تحت ضغط الظروف القاهرة، ومع ذلك لفتنة الحق والابتلاء فهم مكشوفون للمؤمنين عند كل فتنة، إلا أنهم يتسترون بالدعاوى الكثيرة.
هذه قدرةٌ بشريةٌ يعرفها الناس في حياتهم في أصناف لا تستحي، فلا يملك الناس إلا جحظ العيون وهم يرونهم يتكلمون بقيم الشجاعة وهم الجبناء، وبقِيَم الإنفاق وهم البخلاء، وأهل الحق ينظرون لبعضهم بعضًا وهم يتساءلون في استغراب عن هذه الوقاحة التي تُطلى بها وجوه هؤلاء. والقصد بأن الفتن كاشفة للصادق من الكاذب، فقد ينحاز فيها كل واحد إلى صفِّه، وقد يبقى أقوام في الصف المؤمن وهم منافقون لأن هنا مصالحهم أو لخوفهم من العقاب والعذاب.
في الآية الأولى كان ذكر فضل الابتلاء في بيان الصادق من الكاذب في سياق ذكر تاريخ الابتلاء والْتصاقه قدرًا بالإيمان؛ لأن هذا وضع الإيمان عمومًا في التاريخ، أمّا هنا فقد ذُكر فضل الابتلاء في بيان المنافقين من المؤمنين في سياق واقع تحقيق النصر أو الإيذاء، وهو واقع الجهاد أو مقدماته كالهجرة في سبيل الله تعالى، فاختلف الحال بينهما كذلك.
(1) مُحَمَّد: 31
(2) التوبة: 123