تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والبراء من الشرك والكفر وأهلهما، إذْ أنها مُفتَتحةٌ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ (1) إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (2)، وكذلك الردّة المذكورة في سورة مُحَمَّد وهي في موطنين هناك، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (3)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ (4) وسورة مُحَمَّد هي سورة القتال كما هو معروف.

إن الله تعالى يَعْلم العباد وحقائق قلوبهم، ولكن تأتي الفتن ليصبح ما كان خفيًا مستورًا، ظاهرًا معلومًا، فيكون علمُ الله به على معنى آخر غير العلم الأول؛ إذْ الأول عِلمه في موطنه المخفي، والعلم الثاني هو علمه في ظهوره وبيانه.

والأول هو اختصاص الرب حتى يأتي الثاني فتقوم الحجة على الناس من أنفسهم، ويُصبح المكتوم عند الناس معلومًا لهم، والله - عز وجل - يفرق بين العِلْمَين كما قال تعالى في إقامة الحجة على الناس بالرسل: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ? لَّكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (5)

فالله غنيٌّ عن شهادة أحد بما يعلم، لكنه سبحانه يرفع مراتب الخلق باشتراكهم في الشهادة والعلم بما يعلم - سبحانه وتعالى -، كما قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (6) وقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ لينفي ظنون الباطل بحاجته إلى شهادة غَيْره معه، وليُبين حكمة أفعاله في الخلق، فالحمد لله رب العالمين.

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ﴾ يدل على حال آخر غير ما ذُكر في سورة التوبة من حالين فقط في قول المؤمنين: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ أي: النصر أو الشهادة، فهذا حالٌ آخر، وهو حال الإيذاء في الله بالسجن والنفي

(1) المائدة: 51

(2) المائدة: 55

(3) مُحَمَّد: 25

(4) مُحَمَّد: 38

(5) النساء: 165 - 166

(6) آل عمران: 18

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٥٧