تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اتقاء عذابهم أصابه عذاب الله وعُدَّ منافقًا، وإن كفر بطاعتهم ورضي الصبر على بلائهم نجا من عذاب الله تعالى، وهذا في كل باب يفتن فيه المرء، وإلا فهل طلب المأمون من أهل العلم في فتنة خلق القرآن أن يكفروا بالله على معنى الكفر عند المشركين؟ أو أن يردوا الرسالة ويُكذبوها، أم أن الفتنة كانت على بعض الأمر؟

وهل طلب الكفرة العبيديون من علماء أهل السُنّة في مصر والمغرب أن يكذبوا بأن القرآن وحيٌّ من الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - أم أن الفتنة كانت على بعض الأمر؟ هذا مع ما يعلم من شدة الفريقين من أعمال التعبد النُّسُكي من صلاة وصيام وحج.

والحال اليوم هو الحال، إذْ يتوهم البعض أن ما سُئلوا عنه من الطواغيت ليس كفرًا، بل هو لا علاقة به بالإيمان والكفر فيطيعونهم في مطالبهم ويزعمون أنهم مؤمنون لم يُغيروا اعتقادهم ولا دينهم، ورحم الله علي بن المديني لمّا دخل على القاضي ليمتحنه في خلق القرآن فأجاب، فلما عادَ إلى أصحابه فسألوه عما فعل، فقال: "كفرنا وخرجنا." لكن اليوم الناس أهل كذب على أنفسهم وعلى الناس.

في قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ? وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ بيانٌ أن الفتن والابتلاءات ستصُب في الطريق صبًا على الناس حتى تنقطع معاذيرهم وحُججهم، ويبين ما في القلوب ظاهرًا بيّنًا لا خفاء فيه، وهذا واقع الحال فإن هذا الصنف من البشر لمّا ينحرف ابتداءً عن وجهة الحق والجماعة، فإنه يحاول جاهدًا أن يُظهر أمره على وجه المخالفة لأشخاص لا للمنهج، أو يحاول تبرير فعلته بإلصاقها على وجه موافقة مصالح الدين والمؤمنين. ثم تبدأ الضغوط والفتن تزداد، وهو في كل مرحلة يخلع عذارًا وستارًا، وتمضي الرحلة حتى يصل إلى مستقرها عدوًا لله ولرسوله وللمؤمنين، عاريًا من كل الدعاوى والأكاذيب والنفاق التي كان يتستر بها، وهو في كل مرحلة لا يشعر بالحال الذي وصل إليه؛ لأن خطوات الشيطان تصنع الأُلفة بينه وبينها في كل مرحلة، ولو نظر من مستقره الذي هو فيه إلى ما كان عليه لَما بدأ في الاستجابة للفتن وفي مبتدئها لرأى أيّ هُوَّة سحيقة أَوْبَق نفسه فيها، لكنها العِماية على القلب، والرَّان الذي يتكدَّس عليه فينطفئ نور الحق، وكيف يفعل هذه المراجعة لواقعه وهو قد قطع صلاته مع كتاب الله فلم يعد أنيسًا له ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخَرِب))؛ فهكذا تصبح قلوبهم وعقولهم ونفوسهم مأوى لكل شر، ومهبط كل غِوايةٍ شيطانية، فيظهر أمرهم لأنفسهم وللناس، وما كانوا يكتمون سِرَّه من النفاق وبُغْض الثبات على دين الله يصبح علانية ويتحقق قوله تعالى: {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٥٦