تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

منهم ما قاله تعالى: ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ﴾.

ولذلك في هذه الآية من سورة العنكبوت ذكر الله صورةً خلفيّةً لواقع هؤلاء المفتونين المرتدين، وهي تُبيّن وجود جهاد ومدافعة، وهي كامنةٌ في قوله تعالى: ﴿وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ﴾؛ فواقع الحال بين الطائفتين الواضحتين هو واقع جهاد ومدافعة فيه النصر وفيه الابتلاء والفتنة.

وهناك قومٌ يُصدّقون بقلوبهم ما عليه أهل الحق ولكنهم دخلوا في بعض طاعة الكافرين، وهذا يكون بسبب مُتَع الدنيا أو بسبب الخوف من عذاب الكافرين له، وهنا في هذه السورة كان السبب هو دفع عذاب الكافرين عنه، ودفع الفتن عن نفسه وماله؛ ذلك بأنهم يرفضون أن يدفعوا ثمن الإيمان الذي يعتقدون صدقه في أنفسهم.

وهذه الآية لِمن تفكَّر فيها هي أشدُّ آيةٍ على هذا الصنف من الناس الذين يرفضون اللحاق بالمجاهدين، بل يطلبون الكافرين في بعض مطالبهم من البراءة من المجاهدين أو سبِّهم وذكر معايبهم أو إبطال دينهم من الجهاد الشرعي، ويظنون أن هذا القدر لا يُحقق ردّتهم ودخولهم في عذاب الله تعالى، ولو تأملوا قوله تعالى: ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ﴾ لَعَلِموا جهالتهم، وخاصةً أن الأمرَ أمرُ نصرٍ وابتلاء، وهو لا يكون إلا الحكم على واقع الجهاد ليس غير.

في زماننا لا يوجد من طواغيت الكفر من يقول لك: سُبّ الإسلام واكفُر بمحمد وتبرأ من القرآن. بل إنك تجد كثيرًا من عُمد الطواغيت هم أهل صلاة وصيام وحج، ولكنهم داخلون في بعض طاعة الطواغيت فيما فيه جهاد ومدافعة بين أهل الإيمان وأهل الكفر، وهم في أفعالهم وأقوالهم ينصرون الباطل ويخذلون أهل الحق، ففي واقعهم يجتنبون إيذاء الكافرين لهم، وإن كانت العاقبة للمؤمنين لم يعدم من وجود شاهد له أنه كان على الحق في نفسه وعلمه وقلبه فيما يزعم. وأمّا الأعذار يومها فهي مبذولة كثيرة لكل المقصرين والمعرضين، كما تسمعها اليوم وغدًا، وهي موجودة في كتاب الله تعالى وتفضحهم.

هؤلاء تخدعهم أمانيهم بأن النجاة من عذاب الله سهل الحصول عليه بما هم عليه من أعمال لا علاقة لها بالنصر والجهاد والشهادة، وهذا الخداع أبطله الله بقوله: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾.

فالمدافعة إذن ليس إلا على باب هو مجال فتنة الكافرين له فيهن، أما أعمال الإسلام التي لا يُفتن المرء بها فإنها لا تصلح لدفع عذاب الله تعالى عنه يوم القيامة. فهناك عذابان، عذاب الله وعذاب الكافرين، وهما يصطرعان على عمل إيماني ﴿بَعْضِ الأَمْرِ﴾، فإن أطاع الكافرين به

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٥٥