تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الصَّالِحِينَ (1)}. وهذه الآية ليست تكرارًا للآية التي سبقتها في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لكن فيها معنى زائد عن الأولى يُناسب ما قدمناه من معناها، فالتكرار ممتنعٌ في القرآن، وكلام البُلغاء بعيدٌ عنه فكيف بكلام الله تعالى المعجز، حتى لو بدى أن بعضه يؤكد بعضًا إلا أن التأسيس أَوْلى من التأكيد، كما هو معلوم من قواعد التفسير. وقوله تعالى: ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ دلَّ على أن مخالفة الوالدين في باب الإيمان والكفر هو الصلاح لا ما يظنه البعض من قيمهم في الصلاح والفساد.

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ? وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (2)﴾؛ هنا تَبرُز حالة مهمة وهي تُفهَم من هذه الآيات ومن قوله تعالى: ﴿لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ إذْ تدل على أن الكفر يكون في الطاعة وليس في الاعتقاد فقط كما يحكيه بعض أهل البدعة الجاهلين.

فإن المرء لا يشرك بعد إقامة الحجة وبلوغ الرسالة إلا وهو يعلم أن شِركَه باطل، وأن التوحيد هو الحق، ولكن يلتحق المرء بالفتنة - وهي الشرك كما فسره حِبر القرآن ابن عباس - بسبب أمور أخرى غير الجهل، منها هنا الخوف من البلاء، وعدم تحمل تكاليف الإيمان بالصبر واليقين على الوعد الإلهي. فقولهم هنا: ﴿آمَنَّا﴾ - بالله - هو قول العالِم به أنه حق، لكن هذا لا يجعله مؤمنًا إلا بأن يلتحق بأعمال الإيمان وبجماعة المؤمنين، ويصبر على الفتن التي تلحق هذا الركب أفرادًا وجماعات؛ ذلك بأن فتنة قومه له لا تجعله على إنكارٍ للحق الذي عَلِم صِدْقه، بل تجعله يخرج من أعمال الإيمان وجماعة المؤمنين، وهذا ردةٌ عن دين الله تعالى، وأهل الكفر من الطواغيت لا يطلبون من الناس الكفر على معنى إنكار العلم بالحق أو الجهل به، بل إنما يطلبون الكفر منهم على معنى الدخول في طوائف الكفر وترك أعمال الإيمان والنكوص عن طائفة الحق، وهذا معنى تشرحه بيانًا جليًا سورة مُحَمَّد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ? ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (3)﴾ فكانت رِدّتهم في إطاعة الكافرين في بعض الأمر؛ ولذلك يظن بعض الجهلة أن الكفر الذي يطلبه الطواغيت اليوم هو تكذيب الإسلام وتكذيب الرسالة، وهذا لا يكون، بل إنهم يُصرون على هؤلاء أن يبقوا على إعلانهم بالإسلام والْتِزامهم بمناسِكِه التعبُّدية الظاهرية، وإنما يطلبون

(1) النمل: 19

(2) العنكبوت: 10 - 11

(3) مُحَمَّد: 25 - 26

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٥٤