تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ووَقْعُ ضغط الوالدين على المؤمن بصرفه عن الإيمان ثقيل جدًا؛ ولذلك قال تعالى عنه: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (1)﴾، وهذا لا يدركه إلا المؤمن الذي يرى فضل والديه وقيمتهما في نفسه، وسَعْيه أن ينال رضاهما وحبهما.

واقع كفر الوالدين ومنعهما الإيمان عن ولدهما هو حالة اختبار وفتنة داخلة في قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2)﴾ فهذا من الفتنة والبلاء، وهو ضغط نفسي شديد، يتبعه ضغط اجتماعي وحياتي أشد، ثم إنه قد يكون في بعض الأحيان رفض الوالدين لإيمان ابنهما رفع للحماية عنه، وتَخليةٌ بينه وبين عذاب أعداء الله تعالى له، وهذا قد يقع حينًا وقد لا يكون.

خروج المرء من دائرة الولاية لأسرته ثم مجتمعه، هل يعني أنه لم يعد له مجتمع وبيئة ينتمي إليها؟ الجواب في الآية التالية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (3)﴾. فهذا نَسَبُه الجديد، وهذا محيطه الذي يُشكِّل عماد حياته وشكل وجوده، إنه الدخول في الصالحين، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (4)﴾، وكما قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ (5)﴾.

أن تأتي هذه الآية عقب ذكر موقف المؤمن من عدم طاعته والديه في دعوتهما له للكفر؛ لتدل على ما قدمناه من معنى الصلاح والفساد في دين الله، وتدل كذلك مع الوعد بأن هذا المحيط الجديد والنسب الجديد هو أعلى وأعظم مما خسره من مُحيطه السابق الذي يقوم على قِيَم الجاهلية.

إن الدخول في الصالحين مقامٌ عظيم طَلَبهُ الأنبياء كما ذكر الله تعالى عن سليمان - عليه السلام - بعد أن سمع كلام النمل وفهمه، فقال تعالى: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ

(1) العنكبوت: 8

(2) العنكبوت: 2

(3) العنكبوت: 9

(4) التوبة: 119

(5) الكهف: 28

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٥٣