تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (1)﴾ فذكر - سبحانه وتعالى - الكفارة ولم يذكر الدِّيَة إلا إذا كان من قوم معاهدين كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (2)﴾، هذا مع ما منع الله من التوارث بينهما في خلافٍ معروف بين أهل العلم.

وفي هذه الآية من سورة العنكبوت والآية في سورة لقمان يُبيّن الله تعالى فيهما أن الحُكْم بالفساد والصلاح هو إلى الله تعالى لا إلى البشر وقِيَمهم في الدنيا، ففي هذه السورة يقول الله تعالى: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (3)﴾ وفي سورة لقمان يقول: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (4)﴾؛ ذلك لأنه في البيئة الفطرية يكون هناك قيم تعظيم الوالدين، ويكون تقييم الناس حسنًا وقبحًا من خلال هذا الميزان وما هو في معناه، بل إن الناس ينشؤون روابطهم وعلاقتهم مع الناس من خلال هذه القيم - أي قيم الآباء والأمهات -، فحين يستخدم الوالدان ثقلهما في هذا الباب لثني المؤمن عن طاعة الله وتنفيذ أوامره، فيكون في هذا شبه تدمير لقيمة الإنسان وواقعه، فيأتي التطمين الإلهي أن ميزان الأعمال لا ما يحكم به على البشر من خلال الواقع المختل بعدم إيمانه وطاعة الله، إنما الحكم لله تعالى، فإن جرى على المرء هذه الأحكام على المؤمن بتسميته ووصفه بأوصاف القبح والسوء إلا أن هذا لا قيمة له؛ لأن الأهم هي تلك الأحكام التي تكون لمَّا يعود الناس إلى الله - سبحانه وتعالى -.

هذه قيمةٌ عظيمةٌ يعرضها القرآن في عدم الاهتمام بأحكام الناس حين تكون هذه الأحكام جاهليةَ المصدر بل يجب الاهتمام بأحكام القرآن حتى لو خالفها الناس جميعًا.

فذكْرُ هذا الأمر في الموطنين من هذه السورة - العنكبوت - وسورة لقمان يدل على عظم وقع الأحكام العشائرية والقبلية والأسرية والبيئية على الإنسان، فالإنسان مهما كان هو أسير واقعه في كثيرٍ من علاقاته وتصرفاته، وهو حريصٌ على الصورة الحسنة في هذا الواقع، فحين يحاول المؤمن التوفيق بين إيمانه الذي ينحاز إليه بلا تردد وبين إحسانه لوالديه الذي لا يمنعهما من تسميته عاقًا مع هذا الإحسان وهو يرفض طاعتهما في الكفر فتسري عليه أوصاف الجاهلية بسوء الخلق وقلّة الوفاء وعقوق الوالدين، فإن القرآن يُطَمْئنه إلى أنه ما ينبغي أن يشد انتباهه هو أحكام الله عليه لما يعود إليه فينبؤه هناك أحكام الحق والعدل.

(1) النساء: 92

(2) النساء: 92

(3) العنكبوت: 8

(4) لقمان: 15

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٥٢