بعدها ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ (1)﴾ فقيَّد الرزق بالإيمان في دعائه - عليه السلام -، فقال الله له: ﴿قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (2)﴾. فلما قال نوح - عليه السلام - مقالته، قال الله له: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ (3)﴾. فهكذا؛ جعل الله رابطة الإيمان أقوى من كل رابطةٍ فطريةٍ أو صناعية كالأب والابن والأخ والزوج والزوجة، وحين تتصادم هذه الروابط فإن الإيمان لا يقوم له أي شيء في الوجود، وهو إذْ يُقدِّم رابطة الإيمان فإنه - سبحانه وتعالى - يراعي الروابط الفطرية ويأمر بإقامتها على وجهها من الإحسان والفضل؛ ولذلك قدَّم الله أمره بعدم الطاعة لهم في الكفر والمعصية بقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾، وهذا من أعظم الرحمة والإحسان والفضل. والأمر بالإحسان إلى الوالدين بهذه الصيغة جاء في آياتٍ أخرى كما في سورة الإسراء في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (4)﴾ وقوله تعالى في سورة لقمان: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ (5)﴾ وفي سورة الأحقاف في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا (6)﴾.
وكل هذه السور نزلت بمكة إلا أن بعضهم استثنى آيات سورة الأحقاف هذه فجعلها نازلة في المدينة، وآيات سورة العنكبوت وسورة لقمان تتحدث عن المرء المؤمن حين يُقابل وَالِدَيْن كافرَيْن، أمّا آيات سورة الأحقاف فإنها تعكس الحال، ففيها أن الوالدين مؤمِنَيْن ويقابلان ولدًا عاقًا لا يطيعهما في الحق الذي يدعوان إليه كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (7)﴾
وكلُّ موطنٍ من هذه الآيات فيها فوائد تختص عن غيرها، ومن ذلك أن الله أمر المؤمن وهو يحسن إلى والديه ويترك طاعتهما في الشرك أن يلتحق بطائفة المؤمنين دونهما فقال: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ (8)﴾، فصار سبيل المؤمنين أَوْلى من سبيل الوالدين، ولذلك لم يجعل الله الدِّيَة للوالدين الكافرَيْن المحاربَيْن إذا قتل ابنهما المؤمن خطأ كما قال تعالى:
(1) البقرة: 126
(2) البقرة: 126
(3) هود: 46
(4) الإسراء: 23
(5) لقمان: 14
(6) الأحقاف: 15
(7) الأحقاف: 17
(8) لقمان: 15