تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أمّا الذين يضحكون على هذا الوعد فقد ردّ الله عليهم في سورة المؤمنون فقال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ ? فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ? وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (1)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ ? إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ? فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ ? إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (2)﴾ وهذا المعنى كثيرٌ في كتاب الله يعرفه كل من قرأ كتاب الله وتدَبَّره.

﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (3)﴾

هذا أول المعوقات الخارجية في رحلة الصبر على البلاء والفتن، فبعد أن بَنَت الآيات المعاني الداخلية وقوَّمتها، جاءت هذه الآية لتعالج مشكلة المسلم مع محيطه، وأول هذا المحيط هم ضحايا الفطرة وأعظم هؤلاء هم الوالدان، وقد ضرب الله أمثلة قرآنية لواقع الوالد المخالف، والزوج الكافر، والزوجة الخائنة لمبادئ زوجها الإيمانية، والولد المعرض، فقد ضرب الله مثلًا بإبراهيم الخليل في كفر والده، وضرب الله مثلًا بزوجة فرعون في إيمانها وطغيان زوجها، كما مَثّل ربنا بخيانة زوجة لوط في دينه، وزوجة نوح، وساق القرآن حالة ابن نوح - عليه السلام - في إعراضه وتكبره عن اتباع دين الحق، وهي تبين أن علاقة الإيمان أقوى من علاقة النسب والزواج، كما قال الله لنوح في سورة هود لمَّا تساءل نوح عن ابنه في قوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (4)﴾ وهذا الوعد الذي ظنَّهُ نوح - عليه السلام - بإطلاق دون تقييد هو المذكور في سورة المؤمنون في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُغْرَقُونَ (5)﴾، فنسي نوح - عليه السلام - القيد، فتساءل عن الوعد، وهذا الذي وقع فيه نوح - عليه السلام -، ووقع فيه إبراهيم - عليه السلام - كما في سورة البقرة لمَّا قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (6)﴾ فظنَّ إبراهيم الخليل - عليه السلام - أن عدم العهد للظالمين يعني منعهم من الرزق الدنيوي كذلك فقال - عليه السلام -

(1) المؤمنون: 101 - 103

(2) المؤمنون: 108 - 111

(3) العنكبوت: 8

(4) المؤمنون: 27

(5) هود: 45

(6) البقرة: 124

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٥٠