ثم كيف يقول القائل أن النتائج التي تتحقق من أسواق الإيمان أقل من الفعل المبذول لها، بل كيف يطرأ هذا الوِرْد الغريب على ذهن ذكي يعرف حركة التاريخ وسننه وقواعده؟
إن كل سوقٍ خاضَه أهل الإيمان جهادًا واستشهادًا وبذلًا لم يكن إلا مجابهةً مع الكفر كله، مجابهةً تقومُ بها ثُلّةٌ مؤمنةٌ أمام جحافل الكفر وإمداده وماله وخبرته ومَكْره، حيث كان وما زال يخلى بين المؤمنين وهم ثُلّة قليلة، إذْ أُمَّتهم في لَهْوها وشهواتها وغَيِّها، والمحسن منهم من يتابع أخبار هذه الثُلّة، وهم يحفرون في الصخر، ويجاهدون حق الجهاد، وأمامهم طواغيت الردة وطواغيت الكفر كله في العالم كله، يكيدون كل الكيد ويمكرون كل المكر، بما يعلمه المتابع وبما يخفى عليه؛ لأن حلقات الكفر اليوم ليست منفصلة، كما أنهم يعلمون أن خروج حلقة من الحلقات من أيديهم يعني سقوط غيرها، ولذلك فمن يظن أن طائفة جهاد ضد حلقةٍ من حلقات الردّة أو الكفر الأصلي هي تُجابِه هذه الحلقة فقط هو مخطئٌ في القراءة والدراسة والوعي على الحدث.
وإذا كان الأمر كذلك فإن المنصف يعلم مقدار المشقة، ويعلم أنه لا يمكن لسقوط هذه التوابع من حلقات الردّة حتى يضعف المركز وتختل قدراته فيسهل الاستفراد بالهوامش والتوابع، وهذا الأمر ليس هو حال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أن أقام مركز الإيمان المنطلق للآخرين في المدينة المنورة، فإنه - صلى الله عليه وسلم - لمّا أرسل رسائله إلى الملوك بعد صلح الحديبية تَبين لنا أن هرقل وهو على تخوم الجزيرة العربية في الشام لم يكن يعلم بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئًا كما يُبيّن لنا حديث أبي سفيان مع هرقل لمّا استدعاه إليه يسأله عنه.
فمن علم الواقع علم مشقة هذه الغربة، ومشقة إزالتها؛ ولذلك فإن الغرباء اليوم لهم أضعاف أجور الأوائل - كما قال - صلى الله عليه وسلم - (1) لأنهم لا يجدون على الحق أنصارًا كما وجد الغرباء الأولون، فقد وصلت معركة الإيمان اليوم ضد الكفر أن اجتمع على الغرباء وطائفة الحق كل طوائف الكفر الأصلي والمرتد، وهي حالة لم يشهد لها التاريخ بهذه الشراسة والتضييق والعناء مثيلًا، حتى إن ما يقال لها الحركات الإسلامية في طَوْرها الأول كانت تجد تضييقًا في مكان فيفسح لها آخر، لكن هذا لا وجود له اليوم؛ ولذلك فإن القابض على دينه كالقابض على الجمر، فهنيئًا لهم ذلك، فإنهم وإن أنكرتهم النفوس المريضة، وعاداهم أتباع الشيطان، وتبرأ منهم أهل البدعة والانحراف فإني لأحسب أن الله يحبهم وقد رضي عنهم، وما عليهم إلا أن يثبتوا أن وعد الله تعالى لهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ هو أحبُّ إليهم من كل كنوز الأرض وممالكها وسلطانها.
(1) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَنَّةَ , أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: ((بَدَأَ الإسْلامُ غَرِيبًا، ثُمَّ يَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى للغُرَبَاءِ)). قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: ((الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ , وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لينحازن الإيمَانُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا يَحُوزُ السَّيْلُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيَأْرِزَنَّ الإسْلامُ إِلَى مَا بَيْنَ هذين الْمَسْجِدَيْنِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا)) [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, وعبد الله بن أحمد في المسند]