على معنى أتباع الطواغيت والباطل الذي يتعاملون مع حسابات الربح والخسارة لِما يعطيهم أسيادهم.
أمّا الذين يُتاجرون تجارة الصدق مع الله فلا يحسبون هذه الحسابات، فهؤلاء الأنصار بذلوا الدار والأموال والأرواح ثم ماذا كان لهم في هذه الدنيا سوى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار)) وقد ((زادَ الناس وقلَّ الأنصار)) - كما قال الحبيب المصطفى -، فهل خسر هؤلاء تجارتهم مع الله؟ إنه لا يقول هذا إلا كافرٌ بالله وباليوم الآخر.
ولذلك فيخطئ من يظن أن أسواق الإيمان هي محرقةٌ للمؤمنين وأجيال الإيمان وشباب الإسلام، وهم يقولون هذا لخطئهم في سنن التاريخ والتغيير، ويزداد خطؤهم عندما يظنون أن جولات الإيمان بعيدًا عن مركز الوعد الإلهي - كما هو في سورة الإسراء - هو مضيعة للوقت، وهذا خطأ، وفَهْمٌ غيرُ سديد، ولو قرؤوا السيرة النبوية في هذا الباب لرأوا أن الفتح المبين لم يكن هو بداية الطريق بل نهايتها، هذا مع أن الجميع يرى كيف أن عُصبة الإيمان وطائفة الغرباء المنصورة قد وصلت إلى وعي علمي وقوة يحسب لها الحساب من خلال هذه الجولات التي يسمونها «محرقة الشباب»، وهذا من قلة الوعي على التاريخ وتَشكُّل الموجات الكبيرة والمؤثرة.
إن أُمَّتنا في واقعها المعاصر لم تصل لهذا الحد من الهوان والضعف في يومٍ ولا يومين، ولا في قرنٍ ولا قرنين، ولم تُسحَق حتى غزاها الكفر وتمكَّن منها في جَوْلةٍ واحدة وإن إعادتها إلى أن تكون هي الغازية والمؤثرة والفاعلة لا يكون في أمدٍ قصير، فالأُمَّة وهي في عصرها الوسيط عندما غزاها الصليبيون فاستوطنوا أرضها قد احتاجت إلى عقود حتى تحقق لها الوعد بإخراج الكفار من أرضها، فهل ما نحن فيه اليوم محتاج لأقل من هذا حتى يتحقق الوعد بإزالة الغربة الثانية؟ هذا مع أن دولة الإسلام كانت يومها قائمة وهي اليوم غائبة ولا وجود لها.
إن من قال: إن على المسلم أن يعمل دون أن ينظر إلى النتائج. دافعه الحق في دوام الثبات والعمل مهما لاقى وعانى، لكن تفسيره للأحداث وعلاقتها مع النتائج غير سديد، إذْ أنه كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يأتي الخير بالشر)) فما هو خير وشرعي لا تكون نتيجته إلا خيرًا، لكن الفعل الإنساني ونتائجه له أحكامه وقواعده التي يجب إدراكها وتفسير الأحداث من خلالها.