عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} (1)، دون أن يُجريها على المعنى الذي قُلنا لكذب بها؛ لأن واقعها عنده أن المسلمين من أتباع عيسى لم ينتصروا على عدوهم في التاريخ قبل مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم -.
وهكذا فإننا نرى أن أسواق الإيمان كانت محطات نصر إيماني وعلمي وهي تسير إلى مستقرها الذي يكون فيه وعد الله تعالى بإزالة الغربة الثانية: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا (2)﴾
ففهم المرء لسُنَن المدافعة في بناء الإيمان وقِيَمِه في الوجود ليست على معاني الباطل التي تقوم كموجات عالية تغري الناي ثم ما تلبث أن تزول وتنهار.
إن الذين ينتظرون عيسى - عليه السلام - أو المهدي وهم أهل الحق ليسوا أولئك الذين يعتقدون في واحد من البشر مهما كان نبيًا أو صالحًا قادرًا على تحويل الأمم الميِّتة إلى أمم حية، والأمم الخاملة إلى أمم قوية في لحظة واحدة، بل المؤمنون بوعد الله أن الغربة ستزول على يد هؤلاء هم أولئك الذين يشقُّون الظلام بأشعة النور وهم يرسلونها شُعاعًا وراء شعاع متى يكون التمهيد للقائد الآتي.
إن الانتصار العظيم هو مجموع انتصاراتٍ صغيرة، وهو لا يأتي إلا على الثابتين على الطريق مهما نزل بهم من بلاء ومشقَّة، ومهما لاقوا من صِعاب ومخاطر. إن هذا كله لا يمنع من التقييم، لكن التقييم الذي يحافظ على القِيَم الإيمانية، لا ما يقع به الجاهلون من تقييم يؤدي بهم إلى تبديل المناهج ومهادنة الجاهلية، فيكون التقييم لحسن أداء في إتيان أمر الحق فيما يأتي، لا لتبديل الحق وتَشرُّب مناهج الباطل، ولا لإدخال اليأس أن الباطل هو قَدَرٌ لازم في تمكّنِه وسلطانه ولا يزول.
إن شعار المؤمن الذي لم يتشرف بمنزلة الشهادة في سوقٍ من الأسواق أن يقول: مرة أخرى سأعود وسأكون أكثر وعيًا وصلابة، وسأجعل من كل سوق منارًا وهاديًا للوارثين من بعدي حتى يتحقق الوعد الإلهي الصادق.
إن الذين يَعدّون الشهداء والمُنفقين والمجاهدين في الأسواق التي لم تُحقق النتائج النهائية للمدافعة بين الحق والباطل قد غُرِر بهم وخسروا؛ هؤلاء أهل جاهلية في القِيم والمعاني، وهم
(1) الصف: 14
(2) الإسراء: 51