خير)). وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - عن النساء: ((ناقصات عقل ودين)). وفسّر نقصان الدين بترك الصلاة والصيام حال حَيْضِهن، فقد تخلَّف عنهن وصف الدين في مقامه المُعادل لهن عند الرجال لعجزهن القَدَري لا الكسلي، من إتيان الصلاة والصيام، فدلَّ على أن الإيمان ليس وصفًا قلبيًا فقط، بل وصفه الذي يتحقق به الفعل أن يكون مع القوة اللازمة للفعل، وهي قوةٌ لا تكون كذلك حتى يكون عندها قوةُ مُنازعة الخصم.
ولا فَرقَ في تحصيل النتائج من تخلُّف القوة بسبب عجزٍ قاهر أو كسلٍ إرادي مقدورٍ على دفعه، فالنساء لا يستطعن دفع عجزهن والمانع من الصلاة والصيام ومع ذلك فقد تخلَّف الفعل فتخلَّف الوصف فكن ناقصات دين، فالنتائج تغيبُ لا لوصف العلم والمعرفة واليقين القلبي، بل تغيب كذلك لغياب القدرة، وبهذا لا بدّ من دراسة النتائج على ضوء هذا الأمر، فلا يجوز أن تُعلَّق النتائج في غَلَبة الكافرين في جولات الإيمان معه على ضعف الإيمان العلمي والقلبي فقط - كما يفعل البعض - بل يجب النظر إلى موازين القوة، فحين قَتلَ ذو النواس أهل الأخدود لم تكن هذه النتيجة لقلَّة إيمانٍ ويقينٍ وعلم، بل كانت لعجزٍ قَدَريٍّ غيرُ مقدورٍ على دفعه في لحظته.
أمّا تقييم النتائج على معيار الإيمان والحسنة والدار الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾، فأهل الأخدود وإن قُتلوا وحُرّقوا إلا أنهم أهل فَوْز بهذا المعيار، وصاحب ياسين مُنتصر بهذا الميزان حتى مع استشهاد وقتل أعدائه له، وهكذا يكون خراب مزارع الصحابة الأنصار بسبب الجهاد هو قمة التنمية الإيمانية، وهذا ما لا يرضاه الذين يرون في الجهاد خسارة لتجارتهم ومزارعهم، فالمصالح بين الفريقين لا تلتقيان في مِعياريّتها، فقد قامت أسواقٌ للجهاد في أوقاتٍ مُتعدَّدة وأماكن مُتفرقة، كان الرابح الأعظم فيها هو الشهيد والمُنفق والمُجاهد، وكان الخاسر الأكبر هو منتحل الذكاء الذي زعم أنه يعرف عواقب هذه الأسواق الإيمانية فلم يضع نفسه وماله في غَمَراتها، فأقبل على دنياه وهو يسخر من أولئك الذين استجابوا لنداء الإيمان والجهاد والشهادة، وعند الله تُنْصَب الموازين.
أمّا فَهْم سُنَن الله القدريّة في الصراع، فإن حلقة الإيمان هي حلقة واحدة مع تعدد الأسواق، فما عَدَّه الناس هزيمة لسوقٍ من الأسواق الإيمانية إنما هو محطة قوة وارتقاء وبناء لِما بعدها، ولا يُمكن أبدًا أن تنتصر قوة مبتدئة أمام قوة مستقرة إلا من خلال جولات، ثم يكون التقييم لا للجولة، بل للنتائج النهائية، والمرء يُدرك أن جولات الإيمان ضد الباطل في التاريخ الإنساني كانت تمر على هذا المعنى، فلو قرأ المرء قوله تعالى في سورة الصف: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا