من السيئات يتَّقون الذنوب اتقاء صاحب الثوب الثَّمين وهو سائرٌ بين الأشواك والأوساخ، فهؤلاء فقط يعرفون قيمة هذا الوعد الإلهي للمؤمنين، أما الذين لا يعرفون معاني هذه الكلمات ولا قيمة أوزانها، ولا نتائج تحصيلها، فهُم الدواب الذين يدوسون على الدُرر، ويبشون لرزم البرسيم والشعير، وهكذا يعيش الناس من خلال هذه المعاني، إذْ تكون الحسنة والسيئة معيارًا لحركة المؤمنين، والشهوة العابرة معيارًا للمخالفين المُعرضين.
في هذه الآية قذفٌ لكلمة الإيمان والعمل الصالح، فحيث سارت الحالة من ابتلاء، إلى جهاد، إلى إيمان وعمل صالح دلَّ على أن هذه الحالة جليلة المقام، فحيث تعددت الأسماء العظيمة لأمر واحد كان هذا الأمر عظيمًا عند مُتكلِّمه.
إن الابتلاء والصبر عليه جهاد في سبيل الله تعالى وهو إيمانٌ بالله، وهو عملٌ صالح، فحيث هو ابتلاء فهو اختبار للصدق، وحيث هو جهاد فهو تَزْكية للنفس، وحيث هو إيمان وعمل صالح فهو تكفير للذنوب ونَيْلٌ للحسنات. ثم إن العبور من خلال مرتبة الابتلاء يكون وصف الإيمان قد استقرَّ على الناجح الصادق في دعواه، فخرج من مرتبة الامتحان إلى درجة الوصف الذي يستحقه أنه مؤمن صادق الإيمان.
أمّا قوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فقد جعلها ابن جرير على معنى: أن ما سيلاقونه من الجزاء على عملهم الصالح في إسلامهم خير مما كانوا يُلاقون من جزاءٍ على أعمالهم حال شركهم. وهذا المعنى دقيقٌ خَفِي؛ ذلك بأنه يقتضي أن يَعْلم المسلم أن ما يفعله في حال إيمانه من أعمال صالحة إنما يكون أثرها في الحياة الدنيا وفي الآخرة خيرًا مما يعمل الكافر من هذه الأعمال نفسها وهو في حال كفره، وإن فهم هذا فإن القول بأن المسلم عليه أن يعمل دون أن ينظر إلى النتائج تحتاج إلى تقييد؛ لأن البعض يحتجّ بها على مفاسد تقع لأعمالهم، أو إخفاقات لجهودهم، فإن رُوجِعوا على ذلك اتخذوا هذه المقولة حُجّة لذلك، وهذه الآية على معنى ما قاله ابن جرير - رحمه الله - تردُّ على هذا الأمر وتُبْطله، فإن المرء إن عمل عملًا صحيحًا - أي موافقًا للحق الشرعي والقَدَري - وهو مؤمن فإن من العدل الإلهي أولًا، ثم من إحسانه على المؤمنين ثانيًا، أن تحقق هذه الأعمال أكثر مما تحقق هذه الأعمال لو عملها الكافر.
إذن لماذا لا يكون الأمر كذلك في تجارب كثيرة في التاريخ والحاضر؟
ابتداءً يجب فهم سُنَن الله القدرية في أمرِ المدافعة والصِراع، كما يجب فهم النتائج وتقييمها على معيار الإيمان والحسنات والدار الآخرة، كما يجب فهم الإيمان الُمدافِع على وجهه الصحيح. أمّا فهم الإيمان في أمر المدافعة، فإن الإيمان الذي يُحقق الواقع المادي هو الإيمان الذي شَرْطُه القوة، وهذا بيّنٌ في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كل