تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو وعد الله للمؤمنين بمُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - كما قال تعالى في سورة مُحَمَّد: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ (1) بل هي دعوة جميع الانبياء لأقوامهم كما قال تعالى في سورة إبراهيم، بعد أن ذكر الله رسل قوم نوح وعاد وثمود، ذكر قولهم لأقوامهم عندما رفضوا دعوتهم فقال - سبحانه وتعالى -: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (2)

وهو أول مِنن الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - لما قال له - سبحانه وتعالى -: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ? وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (3)﴾ ومعنى الفتح بالنصر الإلهي لا يكون إلا بهذا كما قال - سبحانه وتعالى -: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ? لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ (4) ولذلك فإن الله سمَّى دخول الجنان ومغفرة الذنوب الفوز العظيم ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5)﴾ فهذه أعظم الأرباح التي يجنيها الإيمان بالله تعالى، وهي لا قيمة لها إلا عند المؤمنين الذين يخشون عذاب الله تعالى والذي سببه هو الذنوب. هكذا من أول الطريق مع هذا الدين يُعاد ترتيب المعاني في النفوس، فحيث يشدُّ أصحاب الأهواء إلى الأعمال من خلال شهواتهم وأهوائهم، يشدُّ المؤمنون إلى تحمُّل التكاليف والصبر على المكاره من خلال ترغيبهم بمغفرة الذنوب، فإن كانت النفوس جاهلة صغيرة، ولا تعرف لأثر الذنوب ووقوعها على الإنسان شأنًا فإنها تستصغر هذا ولا ترعاه.

أمّا المؤمنون فقد قال الله عنهم في ذكرهم للساعة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ (6)، فأين هؤلاء الذين يريدون قِيَم الإسلام قيمًا إنسانية مشتركة، فيجمعون بين المؤمن والكافر في صعيدٍ واحد لاشتراكهم في «ظواهر» بعض المعاني؟ أين هؤلاء من تعظيم ما عظَّمه الله، وأين هم من حقائق هذه المعاني ومقاصدها؟

إن هؤلاء الأصفياء الذين يعرفون معنى الحسنات والسيئات، إذْ هي عُمْلتُهم التي يتداولون بها، فمن أجل الحسنات يُنفقون أموالهم، ومن أجل تحصيلها يبذلون أرواحهم ونفوسهم، وخوفًا

(1) مُحَمَّد: 2

(2) إبراهيم: 10

(3) الشرح: 1 - 2

(4) الفتح: 1 - 2

(5) الفتح: 5

(6) الشورى: 18

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٤٤