العالمين لقيامهم به لا لقيامه بهم، وهي في تربيتها تُبين أن لهم الجزاء، وحيث عملوا وجاهدوا وصبروا فسيلقون ذلك، إذْ كل صرخة ألم أو قطرة عَرَق أو دفْقَة دم ستؤوبُ أجورها إليهم، فنتائج أعمالهم إليهم لا يشاركهم الرب في شيء منها كما هو حال الطواغيت مع أوليائهم، فإن هؤلاء الأتباع لهؤلاء الطواغيت يَتعبون ويُرهقون ويَبذلون ثم يؤول كل جهدهم إلى طواغيتهم، وإن كان لهم شيء فإنما هو الفُتات، ففي التجارة مع الله هذا ممنوع بل هو سبحانه يعطيهم أكثر مما بذلوا ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْر أَمْثَالهَا﴾ (1)
فيا لهذا الإيمان من معاني لا يحيط بها بيان إلا بيان الله، ولا يشاركه في هذه المعاني أي تجارةٍ من تجارات البشر، ويكفي أن يعلم المرء صفات ربه حتى يَعلَم عظمة الإيمان والتجارة معه.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ إن كل حقيقة من حقائق هذا الدين لتُعلن أنها بنفسها وبارتباطها بأصل هذا الدين وهو الإيمان بالله والدار الآخرة لا يمكن أن تلتقي مع قِيَم الجاهلية، فما يُرغب له كلام الله الحق، وما يدفع عباده إليه، وما يرفع شأنه عندهم ليس هو ما يبغيه من لا يؤمن بالله والدار الآخرة، فحين تُلقَى أعظم ما يحققه هذا الدين لعبيده على أسماعهم تكون على شأن من الرفع غير ما يفكر به الآخرون، فحين تكون أعظم ما ينشده المؤمنون هو هذا الوعد الإلهي بتكفير الذنوب يعلم حينها جوهر هذا الدين ومراتب العطايا والمنن، هكذا يَتبين أصل الفارق بين ما هو ديني وما هو شهواني بَهيمي.
عندما سَمِعتْ الجن القرآن فحملوا خبر نزوله لأقوامهم كان الوعد الذي قدَّموه مقابل الإيمان به هو مغفرة الذنوب والنجاة من العذاب ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ ? قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ ? يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (2)﴾
وهذا نوح - عليه السلام - يُقَدِّم لهم هذا العرض العظيم الذي لا يدرك قيمته إلا من علم قيمة المغفرة الإلهية ونيل الرضوان، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ? قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ? أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ? يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (3)﴾
(1) الأنعام: 160
(2) الأحقاف: 29 - 31
(3) نوح: 1 - 4