تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أصلًا؛ إذهابًا للأصل وتقليلًا من قيمته، وهذا من واقعهم لأنهم يتخذون هذا الطريق منعًا من إقبال المخالفين لطرائقهم من سلوك سبيل الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام.

هكذا كوَّنت هذه الآيات قاعدة الظرف الإيماني وواقعه في الحياة، وهي تخفي وراءها حقيقة عَظَمة الإيمان وأجره ونتائجه، فهذا الإيمان الذي هو أعظم قِيَم الوجود ليس بأهون ما يجتنيه المرء ويكتسبه، وإذْ كان كذلك فإن ظرفه هو ظرف الابتلاء والامتحان، ولا تثبت حقيقته حتى يُمتحن أمام محبوبات الإنسان وشهواته، فيرجح على كل شيء، حينها يستحق المرء هذه القيمة التي أقيمت من أجلها السموات والأرض، ونُصبت من أجلها الموازين، وخُلقت لحال الناس معها الجنة والنار، فهكذا تتقرر هذه القاعدة، ثم تبرز تاريخِيَّتها واضطرادها؛ لأن الإنسان هو الإنسان حيث هو في تاريخه وجغرافيته، ولأن حقيقة هذه القيمة حقيقة واحدة منذ خُلق آدم إلى قيام الساعة، فالله - سبحانه وتعالى - هو الحق الذي خلق الزمان والمكان والحوادث، وهو محيطٌ بها ولا يحيط به شيء مما خلق، لأنه أكبر - سبحانه وتعالى - كما قال تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (1) وقال: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ﴾ (2)؛ فقِيَم الإيمان ليست من الخلق الذي يَبلى ويتغيَّر، وحال الناس معها هو حالٌ واحد، كما قال - سبحانه وتعالى -: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ (3) والعلاقة بين هاتين الفرقتين قائمة على المدافعة والمنازعة، ومن غير خَوْض في تاريخ هذا الصراع لأن له مكانًا آخر، فإن البادئ به والمجرم الذي لا يتورَّع في ذبح وقتل مخالفيه هم أعداء الأنبياء، يشهد لهذا التاريخ والواقع، فالدين ليس هو سبب الكراهية كما يزعمون، بل أعداء الدين هم أهل الإجرام ورفض الآخر، ويكفي المؤمن أن يقرأ سورة البروج ثم يتلو فيها قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (4) وحيث جعل الله الابتلاء للمؤمنين قدرًا مقدورًا فإن هذا يدل على هذا المعنى؛ وهو أن تاريخ الدماء وسفْكها إنما أهله هم أعداء الرسل الذي جاؤوا بدعوة الإيمان والتوحيد.

وهذه الآيات إذْ تُبيّن القاعدة واضطرادها فإنها تبني أهل الإيمان بناءً لا يضعف، وتمدّهم بمدد لا يَنضَب، وهو وقود رحلة الإيمان والصبر عليه ألا وهو الإيمان باليوم الآخر، ثم هي تبين عاقبة المجرمين الذين يُعرضون عن الإيمان وينازعون أهله ويفتنونهم بالعذاب والمكاره، وهي مع إعطاء هذا المدد والوقود تبنِّيهم في معارفهم ونفوسهم لتستقر معاني العبودية عندهم، وأنهم في ذلك عبيدٌ لله، وهو الغني، فحيث أتوا إلى طاعته فهم العبيد، وحيث أعرض العرض فهو الخاسر، وكل ذلك لا يغير من حقيقة أن الله غنيٌّ بذاته، وله ملك

(1) الأنعام: 103

(2) البقرة: 255

(3) التغابن: 2

(4) البروج: 8

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٤٢