تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في رحمته على عباده حين يرغِّبهم في التوبة وحسن العمل إنما يرغِّبهم من باب الرحمة لا الحاجة، وحين يتوعدهم إنما يتوعد توعد العزيز القادر، فهو كلام إله عظيم؛ ذلك لأنهم يحسون في البشر مهما كان غناهم الفقر في كلامهم، ويرون الضعف منه مهما كانت قوتهم، ويحسون الرهبة في أشعار الشجعان، وهكذا يبقى الإنسان فقيرًا ضعيفًا هَلوعًا مهما بدى متفوقًا أو عزيز الجانب، لكنهم لمَّا سمعوا القرآن علِموا أن قائله عزيزٌ لا يُرام، غنيٌّ غِنى ذاتي لا يزول، وقائم على غيره بالوجود والإمداد، وهذا عندي هو أعظم ما علِمَت به العرب أنه كلام الله - سبحانه وتعالى -.

هذه الآية ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ هي إحدى رسائل الأنبياء لأقوامهم، فقد قالها موسى لبني إسرائيل: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾، وهو إذْ يبيّن غِناه عنهم إلا أنه يرغبهم في شكره وطاعته فقال - سبحانه وتعالى -: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ (1) وقال - سبحانه وتعالى -: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا ? وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (2)﴾. لقد أقامَ الله في هذه الآية لفظ الجهاد مقام موقف المؤمن من البلاء، وهذا من تكريم الله للعبد الصابر على البلاء، وبهذا يُصبح أي موقف ابتلاء للمؤمن بسبب إيمانه بالله والدار الآخرة هو جهاد في سبيل الله تعالى، فالهجرة جهاد والصبر على ما يأتيه منها جهاد، وإنفاق المال فيها جهاد، وهذا كله مبسوط في سورة التوبة في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾ (3) إلى قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (4)﴾ وفي الحديث أن (أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)، وهذا من باب تعظيم الجهاد، إذْ أن تسمية الأمور العظيمة بهذا الاسم تكريمًا لها إنما يدل على عِظَم هذا الوصف وجلالة موقعه.

ومن غرائب جهالات أهل العصر أنهم يذهبون إلى ما لَحِق بالجهاد من أمور تعظيمًا لها، ورفعًا لشأنها في نفوس المسلمين ليجعلوا من ذلك طريقًا لإلغاء حقيقة الجهاد الأولى، وهي القتال في سبيل الله تعالى؛ ذلك لأن الجهاد له حقيقة أولى هي الأصل، وهي حقيقةٌ عظيمةٌ لا يدرك شأنها عمل آخر كما في الحديث حين سُئل عما يعدل الجهاد فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تستطيعونه))، ثم يلحق به من الأعمال التي تُعظم بهذا الاسم فيأتي بعضهم ليجعل اللاحق

(1) الزمر: 7

(2) النساء: 131 - 132

(3) التوبة: 120

(4) التوبة: 121

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٤١