تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الذين جاؤوا إلى هذا الطريق وهم يَرجون الدنيا أو سُرعة الوصول إلى أهدافهم دون ابتلاءٍ وتمحيص سُرعان ما ينقلبون على أعقابهم، وتقصر بهم الطريق، فيتساقطون، وإن أعظم أسباب هذا السقوط هو غياب مصلحة الآخرة في قلوبهم وذهاب اليقين من قلوبهم بأن الله يُراقب كيف يعلمون كما قال تعالى في سورة سبأ: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (1)﴾ ولو نظر هؤلاء إلى عين الله ومراقبته، فكانوا من المحسنين والمؤمنين بالوعد الإلهي لصبروا حتى يحكم الله بينهم وبين خصومهم، وحينها سيعلمون أن العاقبة للمتقين.

ثم إن هذه الفاصلة القرآنية ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ لتتلاءم مع ما تقدم من القول واختبار القول في القلب وجودًا وعدمًا، فإن القول في قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا﴾ يُقابلها سمع الله لها حين يقولها العبد. وقوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾ يُلائم اختبار الله لهذا القول بقوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾، وهذا لأن كل فاصلة قرآنية إنما تتلاءم مع ما سبقها من الأمر. كما أن إثبات العلم المطلق لله ينفي ما يطرأ على الأذهان أن قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ إنما هو عِلمٌ مستأنف قد سبق ضده، ذلك بأن الله يعلمُ ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.

إن الصبر على الابتلاء الواقع بسبب الهجرة والجهاد والدعوة والشهادة إنما يكون لإقامة دين الله تعالى في الأرض، فهل هذا يعني حاجة الله لهؤلاء في هجرتهم وجهادهم ودعوتهم وشهادتهم؟ يأتي الجواب من الله تعالى: ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، إنه - سبحانه وتعالى - مع مجازاته العباد على صبرهم وبلائهم وحسن ثباتهم إلا أنه - سبحانه وتعالى - غنيٌّ عنهم، وهو إذْ يُحرِّضهم ويُرغِّبهم في الطاعات فإنه يفعل ذلك رحمة بهم؛ لأن في ذلك خيرٌ لهم في عاقبتهم ودنياهم، وهذه الآية تقطع على النفوس المريضة جهلها أنها حين تُعرض عن الله - سبحانه وتعالى - إنما تعرض استكبارًا وغِنى عن غيرها، لأن حقيقة الأمر أن هؤلاء هم المغبونون لا غيرهم، وهي - أي الآية - تعليمٌ للمؤمنين أنهم في أيام ولحظات صبرهم إنما يَجنون الخير لأنفسهم، ولمَّا كان المرء مُركبًا على الحرص على ما ينفعه، وهو ضنينٌ بذلك فإنه حين يتذكر أنه يجني لنفسه الخير فإن هذا يُصبِّره ويدفعُه للثبات والعطاء.

القرآن الكريم هو كلام الله تعالى، وإنما تُعرفُ نفسية المتكلِّم من كلامه، والعرب لمَّا عَلِموا أن هذا الكلام خرج من إلهٍ عزيزٍ قادرٍ قاهرٍ غنيّ، لمَّا رأوا عزة الكلام الذي تكَّلمه، فإنه - سبحانه وتعالى -

(1) سبأ: 21

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٤٠