تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هكذا يُصبح الإيمان بالآخرة يقرر حالة وموقفًا بين المؤمنين به والكافرين به؛ ولذلك كان مما نَقمَتْه قريش على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أبانَه لهم من مصير آبائهم والذين هم مصدر فَخرهم وعزَّتهم، والحال اليوم هو الحال؛ ولذلك فإن أعداء الدين يسعون جاهدين لإلغاء العلاقة بين البشر على أساس الدين والإيمان بالله واليوم الآخر، لأنهم يعلمون أن هذا هو وقود خصومهم من المؤمنين، وإلا فإن هؤلاء الخصوم لا شأن لهم في كل مواقف التاريخ بالعدد الزائد ولا بالعدة القاهرة، هم كذلك في التاريخ وكذلك اليوم.

ويستجيب لدعوتهم الزنادقة ممن انتسبوا لهذه الأُمَّة بأسمائهم وأنسابهم وقد الْتحقوا بالكافرين في أديانهم ومناهجهم، وتشرَّب بعض العاملين للإسلام هذا السُّم فجرعوا منه جُرعَات كلٌ بحسَبِه، حتى صار ذكر الدار الآخرة عندهم أمرٌ مُخجل مَعيب لا يصلح للنحرير السياسي ولا للوذعي المُفكر، فلم نَعُد نحن وإياهم إلا خصومًا على أمور تختصم عليها الدواب من المأكل والمشرب وما شابهها.

قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ هو أمانٌ للمُبتلين أن العواقب ليست بعيدة مهما طالت الطريق، فإن لحظات الألم تطول على الإنسان، كما أن لحظات الفرح تقصر، وهذا سرٌّ من أسرار الزمن المُدرَك في الناس، مع أنه في هذه الحياة وبالنظام الشمسي هو وحدة واحدة، لكن النفوس وتقلُّباتها تجعل الزمن نسبي بين الناس، فحين يقعُ البلاء والفتنة فإن اللحظة تطول كأنها الدهر، ويصبحُ الزمن ثقيلًا في سَيْره وتنقُّلِه، فهذه الآية تطمينٌ لهؤلاء أن لقاء الله قريب، وأما ما يرجونه واقع فما عليهم إلا الصبر واليقين، وفي هذه الآية دليلٌ على رغبة المؤمنين بلقاء الله، فهم يُحبونه ويطمعون في رؤيته ورحمته ونعيمِه، كما أنهم ينظرون إلى كل ما يفعلونه إلى أنه مُجازى من الله عند لقائه.

وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ دليل على هذا المعنى، فإن هذا الإله العظيم الحق هو سميع لِما يقوله هؤلاء المُبتلون، عليمٌ بما يقعُ عليهم، وهو لا يتركهم في ابتلائهم تَخليًا عنهم ولكن امتحانًا لقلوبهم وأديانهم حتى يُجازيهم على ذلك كله.

هذا اليقين القَلْبي على لقاء الله تعالى ومُجازاته، وكذلك اليقين على سمعِ الله وعلمه لِما يقعُ لهم يهوّن عليهم الطريق، ويقطعُ عليهم وساوس الشيطان أنهم قد ودّعوا وتركوا وشأنهم، بل هم يراقبون يد الله في كل ما يقع لهم، ويعلمون أن الله يفرحُ لصبرهم وثباتهم، ويزدادُ بغضه لأعدائه وأعدائهم؛ وفي هذا كله ليقيم الحُجَّة على الخلق، ويحقق الحكمة في الوجود، ولتُنصَب الموازين يوم القيامة وكل امرئ شهيد على نفسه، وهذا من أعظم ما يحقق قوله تعالى للملائكة لما خلق آدم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (1)

(1) البقرة: 30

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٣٩