تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والدعوة. والكفرة من العَلمانيين وغيرهم يدركون هذا المكان الضعيف عند مُفكّري الإسلام المعاصرين ولذلك هم يستقطبونهم في الاندماج معهم ضد مفهوم الجهاد والاستشهاد والذي هو الواقع الحقيقي الوحيد الذي يُزيل وساوسهم وضلالهم وممالكهم كذلك.

مفاهيم الجهاد والهجرة والشهادة وتحمُّل الصعاب وخَوْض الغَمَرات، قوة مددها أن أهلها يؤمنون بالآخرة وبالجنة وبالحور العين وبرؤية الله، فإن خَلَت عن هذا المدد سَهُل وضعها على طاولة المفاوضات والمساومات وستُغلب ولا شك في أول مُنازلةٍ في عالم المصالح الدنيوية، ولذلك هم يسمّون هذا الإيمان وهو يمدّ هذه المفاهيم أنه فكر عَدَمي، أي أنه ذا رؤية أخروية مدمرة لهذه الدنيا، وهذا كذب فإن صلاح الوجود الإنساني لا يكون إلا بقطع قواعد عمد الشر وسلطانها، ولَّما يكون أمر البناء والجهاد في الابتداء فإنه لا يمكن تثبيت قواعده الأولى إلا من خلال هؤلاء الذي لا يلتفتون وراءهم في جهادهم وهجرتهم وشهادتهم، فبناء الآخرة مع فوات الدنيا بكل ما فيها للمرء ليس فكرًا عدميًا، بل إن العناية بالدنيا وشهواتها دون الآخرة هو الفكر الحيواني البهيمي كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ (1)

ثم إن هذا الإيمان هو الذي يصنع معيارية قِيَم الوجود؛ ولذلك هم يرفضونه لأنه يُعد أي إنتاج إنساني خالٍ من الإيمان بالآخرة، مجرد هواء لا قيمة له كما قال تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (2)

وبهذا الرفض تتشكّل دوائر الوجود وأحكامه، فهناك دار الإيمان وهناك دار الحرب، وهناك المؤمن وهناك الكافر، وهؤلاء الكفرة لا يريدون إلا خليطًا بهيميًا واحدًا لا يخضع لهذه القيم على أساس هذه الفوارق الإلهية.

ثم تأتي النتيجة التي تشعرهم بالقهر، والخَنق الذي يُفجِّر أعصابهم حين يعلمون أن هذا المسلم في ضعْفِه وفَقْره وهوانه عليهم يشعر في قلبه أنه أعزُّ وخيرٌ منهم، وأن كل ما هم فيه هو بعض من جناح البعوضة، ويزدادُ تفجُّرهم غضبًا وقهرًا حين يعلمون أن هذا المسلم يُؤمن أن الجنة بعد الموت له وللمؤمنين، وأما هم فهم أهل نار وغضب الجبار، فمصير آباءهم وأمواتهم الذين يقيمون لهم مظاهر التبجيل والافتخار إنما النار والعذاب، وأن مصائر هؤلاء الذين دخلت بهم العيون فاستصغرتهم إنما مقرّهم رضوان الله وجنته.

(1) الفرقان: 44

(2) التوبة: 69

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٣٨