تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقع فيه الشيطان ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ (1) وكون هذه القيم معيار جمالها هو الثواب الأخروي، والمعاندون الكافرون قديمًا وحديثًا إنما يرفضون الإسلام وقِيَمه لهذين الأمرين، فهم على استعداد أن يبحثوا مع المسلمين هذه القيم على أساس كونها صادرة من الله فيجب امتثالها، بل على أساس مِعْيارِيَّة صلاحها للحياة وعقلانيتها - كما يزعمون - ولذلك فأشد ما يؤذيهم من هذا الدين أن أهله والقائمون به لا يقبلون المساومة على قيمه على أساس نِسبيَّة الحق كما تفرضها رؤى العقول البشرية المتنوعة والمختلفة، كما أن القنطرة الأخرى التي تملأ قلوبهم حَنَقًا على أهله أنهم لا يأبهون للدنيا وما فيها عندما تكون مُصادمة لإقامة حق الله تعالى، أو يكون هذا الفعل يحقق السعادة الأخروية.

الإيمان بالدار الآخرة لم يَعد في زماننا هذا مجرد قيمة تفرق بين مؤمن وكافر، لكن صار هذا الإيمان يميز بين مناهج تنتسب للإسلام لكنها تؤنسه - أي تجعله بمِعْيار القبول الإنساني ورؤاه - وكذلك تقطعه عن الدار الآخرة ويُبين منهج الوارثين لهذا الدين حقًا وهم لا يأبهون لكل ما يُصيبهم ويُصيب العالم إن كان في ذلك عَمَار للدار الآخرة.

قد يعترض على هذا من يقول بـ: أن الدين الإلهي الحق لا يخرب الدنيا وهو يعمر الآخرة، بل هو يعمرهما معًا، وهذا القول صحيح، لكن لا بُدَّ من فهم معنى تعمير الدنيا، فإن هذا المفهوم غلب عليه الرؤى الجاهلية، فعمار الدنيا عندهم هو ما يرونه من مُتع وشهوات يعيشها الكافر في محيطه وحياته، بل إن بعض المسلمين يأمل بأن يكون عمار الإسلام لدنياهم أكثر مما يعيشه الكافرون في الشهوات والمتع، وهذا المفهوم في عمران الدنيا خطأ ولا شك، وحين يصبح هذا المفهوم هو الغالب فإنه يصبح عند فقهاء العصر جواز تحليل الحرام من الربا بحجة الضرورة إذا كان المستفتي بتركه الربا ينقص مليونه الذي يملكه إلى أقل مما هو عليه ولو بمقدار عشرة آلاف، ولو سألتَ هؤلاء عن هذا الترف الذي ينشدونه جميعًا لحبهم للآخرة الذي يزعمون أين هو من حياة خير هذه الأمة رجالًا ومجتمعًا وهو مجتمع النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين لَما وجدت، بل لوجدت أن ما يتخيلونه من مجتمع الترف الإسلامي إنما هو المجتمع الإسلامي في تراجع عزته وانحسار قوته وذهاب سلطانه.

أمر آخر، فإننا في زمان البناء لمجتمع الإسلام الذي به تزول الغربة الثانية للإسلام وفي مراحل بناء الأمم إنما تكون التضحيات والبذل، وهذه التضحيات لا يقوم بها على وجهها في دين الله إلا من آمن أنه يبني آخرته في كل قطرة عرق وكل لحظة ألم وكل جَلْدة صبر. هذه الكراهية التي يحملها أعداء الإسلام من بني جلدتنا ضد قيم الإسلام لأنها قيم أخروية في صبغتها تجعل بعض المسلمين لإرضاء هؤلاء يُلْغون هذا المفهوم في الحوار والمقابلة

(1) البقرة: 34

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٣٧