تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأفكار والمذاهب والأديان لا تكون إلا بسبب غياب الإيمان بالدار الآخرة فقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ? وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾

فهكذا هي أُسس الضلالات والرضا بها واقتراف الشر والفساد.

وأثر الإيمان بالدار الآخرة كثيرٌ في كتاب الله تعالى، بل إن هناك سور عنوانها الأول هو الإيمان بالآخرة كسورة سبأ، فإن مُفتتحها ومُنتهاها ومباحِثها إنما هو بيان أمر الآخرة وعَظَمتها وموقف الناس منها وحالهم هناك، وكذلك سورة قاف وسورة الحاقة والمعارج وهل أتى على الإنسان والنبأ واستقصاء ذلك يطول، وتأمل قوله تعالى في سورة الرعد تعلم أنه لا يُمكن الإيمان بالله دون الإيمان بالآخرة ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (1)﴾

والإيمان بالدار الآخرة ليس مجرد معرفة عقلية بل هو في حقيقته عِماد كل موقفٍ للمسلم في هذه الحياة الدنيا؛ ذلك لأن أوامر الله تعالى في حقيقتها امتحان للشهوات والرغبات العاجلة مقابل معنى حقيقي يؤمن المرء به أن هذا الاختيار لأمر الله تعالى دون غيرها إنما هو ليومٍ آت يجرى به على هذا الموقف، وتشتدُّ وطأة الامتحان لهذا الإيمان حين يكون الصبر على المكروهات والفتن والابتلاءات، فإن حقائق القلوب تظهر جلية حينذاك، وتختبر الحقائق وصِلابها، فإن كان مفهوم الدار الآخرة مجرد كلمات ومعارف لفظيَّة أو عقلية مع عدم امتزاجها بالحب والرغبة والرضا فإنها سرعان ما تَذْوي وتذهب أمام العاجل المرئي والمُرتجى.

اشتراك الإيمان بالله مع الإيمان بالدار الآخرة؛ ذلك لأن الدار الآخرة هي دار الجزاء الإلهي، وبها يتجلَّى الحب الإلهي لعباده المؤمنين كما يتجلَّى البُغض الإلهي لعباده الكافرين، فمن أحبَّ الله أحبَّ عطاءه وجزاءه المَبني على حب الله الذي يسعى لتحصيله، وهو حب مبني على رؤية النعم ومخافة النِّقَم والعذاب.

وأعلى من هذا أن يُحب الله لجلالِ وجمالِ صفاته - سبحانه وتعالى -، كما هو شأن الحَمْد، فإن حمد الله درجات، فحمد المُنعم لإنعامه عظيمٌ ومهدي، وأمَّا ما هو أعظمُ منه فالحَمْد للجلال والجمال كما يقول العابد: "الحمد لله كما يَنْبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه."

ركن قيم الإسلام أنها تنطلق من قيم العبودية لله، أي الاستسلام له وعدم التكبر والإباء الذي

(1) الرعد: 5

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٣٦