وهذه الحقيقة القرآنية بأن الكافرين لن يسبقوا، ولن تفوتهم العقوبة الإلهية، حتى وهم في قوتهم وضعف المؤمنين ستمثل لها الآيات القرآنية القادمة في السورة بالأقوام السابقين من قوم نوح وإبراهيم وشعيب وعاد وثمود وقارون وفرعون وهامان، ومن خلال ما قدَّمت لك من قراءة السورة من خلال اللفظ والآية وصبغة السورة كلها سترى أن القرآن في هذه السورة حين مثل لهذه الحقيقة التي تقدمت بها السورة ثم أتى إليها بعد آيات تَلَت هذه الحقيقة وهي ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ أن قال الله تعالى هذا اللفظ عندما أتى على ذكرهم فقال سبحانه: ﴿فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ (1) و ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ (2) لتعلم حقيقة الأسلوب القرآني في امتحان قارئه، وفي أن حقائق القرآن لا تأتي على المعرض عنه، بل لا بُدّ من أن يعيش المرء بكله معه، روحه وقلبه وعقله، ليعطيه آثاره وبعض علومه.
﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾؛ الإيمان بالآخرة هو مُخُّ الإيمان وعموده بعد الإيمان بالله تعالى، ولا يستقيم سلوك ولا موقف ولا فهم إلا بحضور هذا الإيمان، والوعود الدنيوية في القرآن قليلة الذكر مقابل الوعود الأخروية، والوعيد بالعذاب في الدنيا قليل مقابل الوعيد بالعذاب في الآخرة، والقرآن الكريم يجعل الكفر بالآخرة هو كفر بالله، ولا يستقيم إيمان بالله إلا بالإيمان بالآخرة ولقاء الله، بل إن سبب الكفر بالله هو عدم الإيمان بالآخرة كما قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ? وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ (3)﴾، فالشياطين لا تجد آذانًا وإصغاءً إلا لهذا النوع البشري الكافر بالآخرة.
ويُقابل هؤلاء الذين يصغون لكتاب الله ويؤمنون به، ووصفهم الإيمان بالآخرة كما قال تعالى قبل هذه الآيات: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (4) ولذلك فإن القرآن لا تنفع موعظته إلا للمؤمنين بالآخرة كما قال في السورة: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (5)
كما أن القرآن يقرر أن علاقة الإيمان بالشر بين شياطين الإنس والجن، وبالتالي ضلالات
(1) العنكبوت: 40
(2) العنكبوت: 39
(3) الأنعام: 112 - 113
(4) الأنعام: 92
(5) الأنعام: 51