فإن الآية التي قبلها هي قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (1) وأمّا التي بعدها فهي قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (2) واقتصار المفسرين على معنى سبق الله بتعذيبهم دون بيان أن هذا العذاب هو ما أمر الله بهم المسلمين من الجهاد والإعداد لهم غير تام.
وهذا المعنى يُقارب سباق آية سورة النور بقوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (3) فإن الآية تُبيّن عدم سبقهم و مَنَعتهم في الحياة الدنيا، ذلك لِما يصيبهم فيها من العذاب بما تقدم من آيات لهذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (4)
وأمّا أن واقع التاريخ يُثبت أن ما يُوقعه الكافرون على المؤمنين من البلاء هو سبب من أسباب إهلاك الكافرين فهو مذكور في كتاب الله تعالى، كما قال تعالى عن إبراهيم - عليه السلام -: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ (5)
وقال تعالى عن قوم صالح - عليه السلام -: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ? فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (6)﴾
وكذلك ما يفعله الكافرون هو سبب إغراء الله تعالى للمؤمنين بعذابهم وقتالهم كما قال: ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (7) وقال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (8)
والله أعلم وأستغفر ربي. هذا وفي كلام ابن كيسان عند ابن عطية ما يُشير لهذا المعنى.
(1) الأنفال: 58
(2) الأنفال: 60
(3) النور: 57
(4) النور: 55
(5) الأنبياء: 70
(6) النمل: 50 - 51
(7) التوبة: 13
(8) الفتح: 25