تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليكون آيةً على قدرة الله في الخلق، ولتُنبَّه الناظر إلى السنن الجارية أنها من خَلِق الله بكل أفرادها، فما من نَسَمة تُخلق إلا وهي إيجاد من العَدَم، وهكذا قصة هؤلاء الفتية المؤمنين، فإن المُهاجر لا يطلب جريان كل هجرة على ما جرى لهم، لكنها عِبْرة لقدرة الله في الحفظ والرعاية للمهاجر في سبيل الله تعالى، فيمضي المهاجر إلى ربه مطمئنًا أن الذي رعى هؤلاء في مناهم عُراة بلا طعام ولا كسوة لَقَادرٌ - جلَّ في عُلاه - أن يرعى السائر على قَدَميه مُقيمًا في الأحياء.

في سورة الزمر ذُكِر أمر أرض الله الواسعة فقال - سبحانه وتعالى -: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (1)﴾، فالمهاجر مأمور بأن يُوَطِّن نفسه على الصبر، لكن وَعْد الله قد سبق هذا البيان بقوله جلَّ في عُلاه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ وهي حَسَنة مطلقة لا َحدّ لها، فهي حسنةٌ في الدنيا وحسنة في الآخرة، وحسنات الدنيا لا حدود ولا قَيْد لها، بل هي شاملة لكل ما يحبه المرء في هذه الدنيا من حسنٍ ديني وحسنٍ دنيوي، وهذه الآية قالها الله تعالى بعد قوله - جلَّ في عُلاه -: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (2)﴾ وسياقها على هذا الوجه هو سياق الهجرة في سورة الإسراء، فإن الله سبحانه قال فيها: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ? وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا (3)﴾ فاقْتَرَن أمر الذكر والإخبات وقيام الليل بالهجرة في سبيل الله تعالى.

وفي سورة النحل ذُكرِ أمر المهاجر المظلوم، وفيها وَعْد الله له بالعاقبة الحسنة، مع الوعد الإلهي بأجر الآخرة فقال - سبحانه وتعالى -: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ? الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (4)﴾ وسورة النحل سورة التوحيد، والأنعام الإلهية على الخلق، فذِكْر الهجرة في سياق آياتها الدالة على عَميم نِعَم الله السابغة على الخلق لدليل لمن تَفكَّر أن وعد الله حق بأن يُبَوأ المهاجر الحسنة الموعودة، فالله هو رب كل شيء ومَليكه، وما من نعمة إلا منه - جلَّ في عُلاه -، كما أن الله - جلَّ في عُلاه - ذكر فيها أمر الجهاد على حدٍ مُقارب لذكر الهجرة فقال - سبحانه وتعالى - فيها: {ثُمَّ إِنَّ

(1) الزمر: 10

(2) الزمر: 10

(3) الإسراء: 79 - 80

(4) النحل: 41 - 42

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٨٥