تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأن المعاصي هي باب الخوف والجوع كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (1)﴾، لكن ها هو أمرٌ يجب اعتناء العابدين والمهاجرين والمجاهدين فيه، وهو أن التوكل الذي يحصل به الرزق المذكور هنا إنما هو التوكل الذي يُجانب جمع الحريص الوَجِل من انقطاع العطاء الإلهي، فالحرص والبخل والمنع لا تلتقي مع التوكل واليقين كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير في السماء تغدوا خماصًا وتروح بطانًا)) وهذا هو رزق النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الكرام، فهو رزق المُكتفين الحامدين، لا رزق أهل البَذْخ والطمع والحرص، ولا هو ما يسعى إليه المُنعّمون الذين أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، ولذلك فباب التعبُّد في أبواب الهجرة والجهاد لا يلتقي أبدًا مع الترف، بل هو باب الصبر واليقين ولا يلتقي أبدًا مع حب الدنيا والانغماس فيها، بل باب التعبد بالهجرة والجهاد عدو لهذه الأمراض التي يذل منها الضعفاء وأنصاف الرجال. لكن هذا لا يعني إلغاء السنن القَدَرية ورعايتها، فإن الله يقول: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا (2)﴾ فالمال قَوام الحياة كما في هذه الآية، لكن هناك فرقٌ بين الترف وبين حصول الكفاية والصبر عليه، فإن جاءت المؤمن النعم من غير حرص لم تزده من الله إلا قربًا وكان شأنه كشأن الشاكرين كما قال سليمان - عليه السلام -: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِين (3)﴾، ولذلك فإن العائبين على الهجرة والجهاد أنهما يُحرمان الرزق هم كَذَبة، لكنهما يحرمان المترفين والمنعَّمين من الحياة الشهوانية التي يسعون إليها، وهي حياة لا يحبها الله ولا رسوله ولا المؤمنون، وليست هي الحياة التي وعد الله المؤمنين بها في الدنيا بقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِن فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاة طَيِّبَة (4)﴾ فإن نموذج الحياة الطيبة هي حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وحياة أصحابه - رضي الله عنهم -، لا حياة كِسرى وقيصَر وقارون.

قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ? اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ? وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (5)﴾

هذا من أدلة الحق التي تكفي العاقل أن الله تعالى رازقُ كل شيء وبيده كل شيء، فالمُحَاجّون في هذا الباب مُنازعون بهذا السؤال العظيم: {مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ

(1) النحل: 112

(2) النساء: 5

(3) النمل: 19

(4) النحل: 97

(5) العنكبوت: 61 - 63

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٨٦