تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذي قاله لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (1) وهو تأَلهُه الذي وصفه الله في كتابه بقوه لقومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (2) فحينئذ يكون الجُرْم كبيرًا والأثر أخطر وأعظم، فيالله كم جهالات أُمّتي في السكوت عن المفاسد التي تلحق الأُمَم فتؤدي لهلاكها، وهم يصرخون ليل نهار على مسائل فيها السعة من الخلاف والاجتهاد.

فهذا قارون اليوم موجودٌ في أُمَّة الإسلام، وقد الْتَحم حقيقة واحدة مع فرعون، يفسد بماله دين الناس، وينشر بينهم الرذيلة والفرح الباطل والمرح الفاسق، وهو مع كل إفساده تسكت عنه جموع العلماء، بل إن بعضهم يأكل على مائدته، ويمدح له دينه الكاذب حين يُلقي له ولأمثاله بعض الفُتات ليسكتهم ويشتري منهم دينهم، ويظن هؤلاء أنهم بموافقتهم لهم ثم بالخروج على الناس ببعض المواعظ العامة قد أدّوا حق الله، ونصروا دين الله، فعمَّ الفساد وذهبت هيبة المواعظ؛ لأن الناس يعلمون حقائق هذه الكلمات التي تخرج على هذا الوجه من هؤلاء القوم.

لقد كانت أعظم الحروب التي خاضها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته تتعلق بحق المال وهو الزكاة، وقُتل فيها قراء الصحابة، وكانت أشد الحروب في تاريخهم يومذاك، وأمة الإسلام تعلم ذلك، ثم يظن البعض أنه بمجرد انشغال المتدينين بشأنهم دون الضرب على أيدي هؤلاء الجامعين لدين قارون ودين فرعون يحقق لهم العبودية الصحيحة؛ ﴿أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ بل إن الكثير من الوعاظ لا يمنعون الناس من جهاد هؤلاء بل يمنعون بعضهم وكراهيتهم، ويوجبون على الناس حبهم والدعاء لهم، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

أمّا كُفر فرعون فقد تقدَّم ذِكره، وأما كفر هامان فهو كفر المُعِين على الكفر برأيه وتنفيذ إرادته، فهامان وزير فرعون وهو سيد الملأ عنده، يأمره فرعون فيمضي لأمره كما قال تعالى عن ذلك في موضعين من كتابه في سورة القصص وسورة غافر، فقال - سبحانه وتعالى - في القَصَصْ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (3)، وفي سورة غافر قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ? أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ (4)؛ فهذا شأن هامان وزير شرٍ لطاغيةٍ مُتَألِّه يُعبدون دون الله تعالى، فمضى حكمه في الأرض كحكم الطاغية، وهو من أتباعه يوم

(1) غافر: 29

(2) القَصَصْ: 38

(3) القَصَصْ: 38

(4) غافر: 36 - 37

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٨٤