تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ? فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (1)﴾؛ هذا تطمينٌ آخر للصابرين على أمر الله تعالى أمام عُتُو وإعراض أقوامهم عن الحق، وأن مَردّ هؤلاء العُتاة إلى دمار، فقوم مدْيَن هم أصحاب الأيكة كذلك؛ فلذلك هم أصحاب زرع وشجر وثمار، وإن من جرائمهم التطفيف في الموازين كما قال لهم نبيّهم شعيب: ﴿وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ (2)﴾، وقوله: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ (3)﴾ ومن جرائم الإفساد في الأرض، وهو قطع الطريق لقوتهم وكثرتهم كما قال تعالى عن لسان شعيب: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ (4)﴾

قوله تعالى: ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ﴾ فيه بيان ما تقدم التنبيه عليه مرارًا أن مرجع القيم في دعوة الأنبياء ليس إلا إلى أمرين وهما هنا في هذه الآية: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ﴾ ومن غير هذين الأمرين لا يكون الفعل صالحًا البتّة ولو الْتَقى في الشكل والظاهر.

والحقُّ أن القيم مهما بلغ جمالها في عقول الناس إلا أن ثباتها عند الامتحان، وآثارها على النفس والوجود لا تكون إلا بما يستقر في نفس العامل أن فعله لها هو عبودية لله، وأن عاقبة المخالفة هي الأشد يوم القيامة، وبهذه المرجعية والمعيارية للقيم والحقوق والواجبات تكون آثار وثبات هذه القيم. وللدخول في الشخصية النبوية، وهي الشخصية المُهتَدِية التي يريدها الله لعبيده، وكذلك هي الشخصية التي يتحقق لها الوعود الإلهية لا بُدّ من لزوم غِرْزها في الهداية والدعوة والإصلاح، ولا يكون هذا إلا بمعرفة تفاصيلها القرآنية، وهي تفاصيل مُستوعِبَة لأحوال الدعاة والعاملين وأقوالهم ومواقفهم، لا كما يظن البعض أنها عمومات فقط.

قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ تنوَّع ذكر العذاب عليهم في القرآن، فها هنا ذَكَر الرجفة أي: الزلزال،

وفي سورة الشعراء ذَكَر عذاب يوم الظُّلَّة كما قال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (5)﴾، وفي سورة هود ذَكَر الله الصيحة كما قال تعالى: {وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا

(1) العنكبوت: 36 - 37

(2) هود: 84

(3) هود: 85

(4) الأعراف: 86

(5) الشعراء: 189

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٨٣