أصنامهم، ذلك بأن مواطن كسر الأصنام في القرآن - وهي في موطنين في سورة الأنبياء وسورة الصافّات - كان القرار حاسمًا بالحرق في النار، أما ها هنا فهُم بين خيار القتل أو التحريق، وبهذا يستطيع أن يَحتج كل عامل لدين الله تعالى على وجه يوافق دعوة الأنبياء ومنهج الرسول بالدعوة والجهاد أن عداء الكافرين للمؤمنين لم تُنشؤه الأعمال المادية ضدهم، بل هم يعادون الحق حتى لو لم يأتِ الداعي إلا بمجرد الكلمة، ولهذا شواهدٌ في قوم نوح، فإن نوح ذَكر عمله معهم فقال كما في سورة يونس: ﴿يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ (1) فهذا مُجمل ما فعله نوح - عليه السلام -؛ الثبات على موقفه ودوام تذكيره لقومه بالحق الذي أُرسل به إليهم، ثم ذَكر لهم مواقفهم هم معه فقال: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ﴾ (2) ذلك لأن منهجه - عليه السلام - الذي أمر به هو حال ابنَيْ آدم حين قال لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطْت إِلَيَّ يَدك لِتَقْتُلنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْك لِأَقْتُلك﴾ (3)
وموقف نوح - عليه السلام - هو موقف هود أمام قوم عاد فإنه قال لهم كما في سورة الأعراف: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ (4) فلم يتخذ معهم أي موقف مادي، ومع ذلك عادوه وآذوه، كما قال الله عنهم في سورة هود: ﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ (5)
وهو موقف شعيب - عليه السلام - مع أصحاب الأيكة فإنه قال لهم: ﴿وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ (6)، فردوا عليه: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ (7) فلا يظن أحد أن إجرام أهل الكفر ضد الدعاة والمصلحين إنما يكون إن أتوا بالمواجهة والأفعال المادية، فإن أتوا بالكلمة فقط وجدوا آذانًا سامعة وقبولًا حسنًا.
وهذا وإن قال به البعض ممن ينتسب للكفر الإسلامي إلا أن قائليه لم يفقهوا التاريخ الإيماني كما هو في القرآن الكريم، كما أنهم لا يعلمون حقيقة الكفر حتى وإن ادَّعوا فقه الواقع
(1) يونس: 71
(2) يونس: 71
(3) المائدة: 28
(4) يونس: 102
(5) هود: 55
(6) الأعراف: 87
(7) الأعراف: 88