الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ (1)}
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ دليلٌ على ما قلنا، أن الناس لا يستطيعون الحكم على النوايا بتسمية هذا مؤمن وهذا منافق وهذا كافر حتى تأتي الفتنة فيتمّ التميز والبيان والحكم الواضح الجلي، وهذا هو المعنى في قوله تعالى في سورة النساء: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (2)﴾، ذلك بأن كشف هؤلاء المنافقين وظهورهم في رحلة الإيمان والشهادة والجهاد يمنع من دخولهم في الصف المؤمن، وهو ما يُحقق إبعاد الهزيمة عنه، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ فكان كشفُهم وفضحهم من خلال تخلِّيهم عن الفئة المؤمنة بسبب الابتلاء هو رحمة بهذه الفئة لمَّا تصلُ إلى مُستقرها الذي أراده الله لها.
فهذه الآية هنا في سورة العنكبوت وفي سورة النساء وفي سورة آل عمران: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ يفسِّر بعضها بعضًا في بيان فضح الله للمنافقين من خلال رحلة الإيمان والجهاد، أما قوله تعالى في سورة الحج: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (3)﴾ فهي لنوع آخر من هؤلاء، فالذين هنا لم يبعدوا في الإيمان بل وقفوا على حدِّه حتى إذا جاءتهم فتنة قدرية انقلبوا إلى الكفر، هذا مع أن سياق آية سورة الحج يدل على أنهم في شكٍّ قلبيٍّ عقديّ؛ ولذلك كان كفرهم في النسك كما قال تعالى بعدها: ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ? يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ (4) وسورة الحج هي باب التوحيد النُّسُكي كما يتبيّن لمن قرأها.
ولو تأمّل المرء مواطن الردّة في القرآن الكريم لوجد أن عامّتها يتحدث عن مواطن الجهاد والولاء والبراء كما في هذه الآيات المتقدمة وفي سورة آل عمران في الحديث عن أُحد وفي سورة التوبة، وقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ فإن سياق الآية وسباقها إنما هو في الولاء لله ولرسوله
(1) آل عمران: 179
(2) النساء: 141
(3) الحج: 11
(4) الحج: 12 - 13