تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قبل الجهاد كانت الأسئلة كثيرة، والأجوبة محجوبة والركام كثير والتمييز ضعيف، ومع الجهاد حصلَ اليقين، فانسابت المعاني من كتاب الله ليذهب الشك وتَنزاحُ الحَيْرة، فيفرح مع وارِدات الحق صارخًا مع كل واردة: لقد وجدتُ كتاب الله.

مع الجهاد بُنِيَت الأُمَم، وهدى الله السالكين سُبُل تقويمها وهدايتها وإرشادها، وانحسر الباطل وقُمِع سلطانه فعَلِم الناس أن هؤلاء لا يُنصرون بعدد ولا عدة، إنما يُنصرون لأن الله معهم، ويَثبتون مع آلامهم وضعفهم لأن بَرْد اليقين في قلوبهم وهو مادة غذائهم ووقود دوامهم.

مع الجهاد رُدَّت المظالم وانكسرت صَوْلة الباطل، وبدأت روحهُ تتذبذب، وحُمِيَت صَوْلة الحق في نفوس المستضعفين، فذَهَبت عنهم أسوار الخوف وتبخَّرت من قلوبهم رطوبة الجُبْن؛ لأنهم رأوا آيات الله ماثِلَة أمامهم ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (1)

لقد مضت الرحلة مُحْرِقة في بدايتها، مورِقة في نهايتها حيث نالوا هداية سُبُل الله وحصل لهم أعظم الوصف وأحبُّه إلى الله ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾، لقد بدأ رحلتهم يرجون أن يحصل لهم الجِوار وأن يُدخلهم الله في الصالحين، فكان الله عند ظنهم به؛ لأنه - جلَّ في عُلاه - عند حسن ظن عبده به، فحصَلَت لهم المعيَّة وأبصروا ربهم بآياته وكراماته ووعوده ونصروه، فها هي قلوبهم تغشاهُ معاني الإحسان، يعبدون الله كأنهم يَرَوْنه، وكيف لا يكون ذلك وهم يعيشون في آثار نِعَمِه ويرونها كما قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (2)، هنيئًا لهم فقد حطُّوا رِحالهم في دار الإحسان والقُرب من الله، فقد آن لهم أن يَرفُلوا ويهنؤوا في هذا المقام الشريف.

تم بحمد الله

(1) البقرة: 249

(2) الروم: 50

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ١٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ١٧٨