هنا في هذا الختام تلتقي السورة مع مَطْلعها، حيث بدأت بقَدَرية المِحن مع الايمان، وتُختم بأن المجاهدين في سبيل الله تعالى والصابرين على المِحن والثابتين على الحق لهم هدية النَفَاذ إلى أعظم النعم وأجلِّ كنوز الوجود ألا وهو الهداية إلى سبل الله تعالى.
فمع بداية الرحلة يكون الامتحان والابتلاء، وفي أثنائها تقوم السوق هادِيَةً مُرشدةً مُثَبِتّةً للقلوب، وفي الختام تكون العَطيّة ونِعْم العَطيّة، حيث يصدر المرء إلى مطلوبه الذي أراده مع الله، فيأوي إليه ويَجْتني مُبتغاه.
هنا تحطُّ النفوس همومها وشكواها، وتُكشَف عنها حُجُب المنع والعِمَاية والألم، فيأتيها النور شافيًا هاديًا فتُبصر مهديّةً بنعمة الله أنْ عَلِمَت بيقين أي موقف هي فيه، وأي موقف فيه خصومها.
مع الجهاد والبذل تأتي الهداية، فهذا سبيلٌ لا يعرفه إلا أهل الايمان؛ لأن العقل لا يرشد بالفكرة فقط، لكن يرشد بنور العمل والمجاهدة، ومن خلال المعاناة والمحن يَعرف أقدار الله وحكمته في الوجود، فيُصبح على يقين من ربه كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إَن تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً (1)﴾، مع الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام يُطِلُّ المرء على الحياة فيُبصرها من علٍ بغير ستر ولا موانع، فيبدو فيها الكافر صريحًا، والمنافق مكشوفًا، والمؤمن بيّنًا؛ لأن مشاعل الجهاد ونارهُ قد عرّت الجميع فلا خفاء ولا تَقيّة، ومن غيرِ الجهاد فإن الكل مُبتسم باشٌ في وجهك، زاعِمٌ لأنَفَتك وصداقتك، غير رامٍ إليك إلا على خفاء، وغير مُبين إلا ما يُحقق رغبته فيك وفي اقتناصك، فما هي إلا أنوار المُعاناة والمِحن مع الجهاد في سبيل الله تذوب هذه الأقنعة الزائفة فيبدو كل واحد على حقيقته.
مع الجهاد يقرأ المرء القرآن فيدخل واقعه في آياته وأحكامه وعِظاته وأمثاله؛ لأنه يعيش فيها بروحه ونفسه ومعاناته وبكُلِّه، فيهديه الله إلى ما أُغلق عليه منها، وتتنزل عليه معاني التأويل مُنقادة إلى مقامه المحبوب إلى الله، لأن عزّة هذه المعاني تأبى أن تعيش مع الشهوات والدعَة والركون إلى الجاهلية، فهذا القرآن نزل بحُزن، ويُقرأ بحزن، ويُفهم بحزن.
مع الجهاد يعلم المرء عِلم إبراهيم الخليل - عليه السلام - لمّا قال: ﴿بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي (2)﴾ فإن ما عَلِمه قلبًا من كتاب الله صار يراهُ يقينًا ببصرهِ، فقد رأى الآيات وأبصر الوعود وحَصَلت الكرامات وتنزلّت الملائكة ونامت العيون نُعاسًا أَمَنَة تحت ظلال السيوف وقصف النيران، وابتسمت الوجوه في مُهمّاتها لأنها حيّة عند الله تُرزق خيرًا مما يرزق أهل الأرض.
(1) الأنفال: 29
(2) البقرة: 260